ليس أصعب على الاقتصادات من الحروب، ولا أخطر على الدول من اضطراب أسواق الطاقة والتجارة. لكن التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى لا تكشف الخاسرين وحدهم، بل تكشف أيضاً من يملك القدرة على الصمود، ومن يعرف كيف يخرج منها أقوى.
ولم يعد هذا الكلام نظرياً. فمنذ أواخر فبراير الماضي، يعيش الاقتصاد السعودي واحدة من أقسى التحديات في تاريخه الحديث: مضيق هرمز تحت توتر عسكري، وصادرات النفط تبحث عن منافذ بديلة، والملاحة في البحر الأحمر تحت التهديد. وقد ظهر ذلك بوضوح في الأرقام؛ إذ انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 4.7% في الربع الثاني من 2026، وهو أعمق تراجع منذ جائحة كورونا، بعد أن هبط النشاط النفطي بنحو الربع.
لكن هذه الأرقام وحدها تخفي نصف الصورة. فالاقتصاد السعودي دخل الأزمة من موقع قوة: نما بنسبة 4.5% في 2025، وبلغ ناتجه بالأسعار الجارية نحو 4.8 تريليون ريال، وظل نشاطه غير النفطي ينمو حتى في أسوأ أرباع الأزمة.
السؤال إذن ليس: هل تتأثر السعودية؟ بل: ما الذي صمد، وما الذي ينبغي أن يتغير كي تخرج من هذه المرحلة أقوى؟
أولاً: الطاقة.. الموثوقية حين تُختبر فعلاً
تمتلك السعودية احتياطيات نفطية مثبتة تقارب 267 مليار برميل، وطاقة إنتاجية قصوى مستدامة تبلغ نحو 12 مليون برميل يومياً. غير أن قيمة هذه الأرقام لا تظهر في أوقات الرخاء، بل حين يُغلق الطريق المعتاد.
وهنا أثبت خط أنابيب شرق–غرب قيمته الإستراتيجية، وهو الخط الذي بُني في ثمانينيات القرن الماضي تحسباً لهذا السيناريو تحديداً. فقد بلغ طاقته التصميمية الكاملة البالغة 7 ملايين برميل يومياً في مارس الماضي، وحوّل الجزء الأكبر من الصادرات إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وحين تعرّض لهجمات بطائرات مسيّرة في سبتمبر، عاد إلى الضخ خلال أيام، ووصل إلى 5.8 الى 6 مليون برميل يومياً مطلع أكتوبر.
لكن الدرس الأهم أن ارتفاع الأسعار لا يعني مكسباً صافياً. فقد ارتفعت الإيرادات النفطية للدولة بنسبة 22% في الربع الثاني، بينما انكمش النشاط النفطي في الناتج الحقيقي بنحو الربع. السعر يعوّض جزءاً من الخسارة، لكنه لا يعوّض الكميات المفقودة، ولا ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ولا المسافات الإضافية حين تضطر الشحنات إلى الالتفاف. والاستنتاج واضح: تعدد منافذ التصدير لم يعد ترفاً هندسياً، بل ركيزة من ركائز الأمن الاقتصادي الوطني.
ثانياً: الاقتصاد غير النفطي صمد ... لكنه تباطأ
نمت الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9% في 2025، وكانت المساهم الأكبر في نمو الاقتصاد. وفي الربع الثاني من 2026، ورغم شدة الصدمة، بقيت في المنطقة الموجبة، وإن تباطأ نموها إلى أقل من 1%. وهذا بحد ذاته دليل على أن التنويع لم يعد مجرد شعار.
وفي جانب التجارة، بلغت الصادرات غير النفطية، بما فيها إعادة التصدير، نحو 366 مليار ريال في 2025، بنمو قارب 19%. غير أن التفاصيل أهم من العنوان: فهذا النمو جاء من قفزة في إعادة التصدير بنحو 64%، بينما استقرت الصادرات الوطنية غير النفطية تقريباً، بتراجع طفيف بلغ 0.1%.. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.
فإعادة التصدير تبرز نجاح السعودية كمركز لوجستي إقليمي، لكن الصادرات الوطنية هي المقياس الحقيقي للقدرة التنافسية. والتحدي المقبل هو الانتقال من نمو يقوده الإنفاق والاستثمار الحكومي إلى نمو تقوده الإنتاجية وقدرة المنتج السعودي على المنافسة عالمياً.
ثالثاً: إعادة توزيع رؤوس الأموال.. فرصة مشروطة
تستهدف رؤية 2030 رفع مساهمة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 5.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة مساهمة القطاع الخاص إلى 65%، ورفع الصادرات غير النفطية إلى 50% من الناتج المحلي غير النفطي. وتعيد الأزمة الحالية رسم خرائط الاستثمار وسلاسل الإمداد عالمياً. لكنها تعمل في الاتجاهين: فهي تدفع الشركات إلى البحث عن مراكز بديلة موثوقة، وفي الوقت نفسه ترفع علاوة المخاطر التي يضعها المستثمر على المنطقة بأكملها.
لذلك لن تكفي الحوافز وحدها. المطلوب أولاً أن تثبت السعودية للمستثمر أن عملياتها تستمر رغم الأزمات، وهو ما بدأ يظهر فعلاً في أداء قطاع الطاقة والخدمات اللوجستية. ثم تأتي الأدوات المعروفة: خفض تكلفة ممارسة الأعمال، وتطوير المهارات، ورفع كفاءة التشريعات، وتوجيه الاستثمار نحو الأنشطة القادرة على المنافسة دولياً، خصوصاً الصناعات التحويلية والبتروكيماويات والتعدين واللوجستيات.
رابعاً: الذكاء الاصطناعي والطاقة.. اقتصاد جديد على أساس قديم
تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالمياً قد يرتفع من نحو 415 تيراواط ساعة في 2024 إلى نحو 945 تيراواط ساعة بحلول 2030، أي أكثر من الضعف.
وتملك السعودية فرصة استثنائية للاستفادة من هذا النمو، بالجمع بين وفرة الطاقة والغاز والطاقة المتجددة من جهة، ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى. وقد أطلقت استثمارات كبيرة في هذا القطاع، من بينها شركة «هيوماين»، بما يعكس طموحها لبناء صناعة تقنية ذات حضور عالمي.
وقد أكدت الأزمة الحالية أمرين في هذا السياق: أن موثوقية إمدادات الطاقة هي أول ما يبحث عنه مشغلو الحوسبة، وأن الموقع الجغرافي للبنية التحتية الرقمية أصبح جزءاً من حسابات المخاطر. فإذا نجحت المملكة في استقطاب حصة مؤثرة من هذه الاستثمارات، فلن تكتفي بتصدير الطاقة، بل ستصدّر أيضاً خدمات الحوسبة والمنتجات الرقمية ذات القيمة المضافة، وهي صادرات لا تمر عبر أي مضيق.
خامساً: المالية العامة.. حين يصبح التمويل المبتكر ضرورة
قدّرت ميزانية 2026 الإيرادات بنحو 1.147 تريليون ريال، والمصروفات بنحو 1.313 تريليون ريال، بعجز متوقع يقارب 165 مليار ريال، أي نحو 3.3% من الناتج. وفي الربع الثاني، ارتفعت الإيرادات بنسبة 12% بفضل الإيرادات النفطية، لكن الإنفاق ارتفع بنسبة مقاربة بلغت 11%، ليسجل الربع عجزاً بنحو 34 مليار ريال.
وفي الوقت نفسه، تستهدف الإستراتيجية الوطنية للاستثمار ضخ استثمارات تراكمية تتجاوز 12 تريليون ريال حتى 2030. وهذا الحجم، في ظل ضغط مالي فعلي، لا يمكن أن يُموَّل من الميزانية العامة والمصارف وحدها. وهنا يكتسب الترميز الرقمي للأصول أهميته، إذ يمكن أن يسهم في تمويل مشاريع الطاقة والعقار والصناعة والبنية التحتية، عبر تقسيم الحقوق الاستثمارية إلى وحدات رقمية قابلة للتداول وفق ضوابط تنظيمية واضحة. فلو نجحت السعودية مستقبلاً في تمويل 5% فقط من الاستثمارات المستهدفة عبر أدوات مبتكرة، فإن ذلك يعادل 600 مليار ريال. وهذا مثال حسابي يوضح حجم الفرصة، وليس توقعاً لحجم سوق الترميز.
لكن التمويل وحده لا يكفي. فالمطلوب ليس تقليص الطموحات، بل ترتيب الأولويات: تسريع المشاريع المنتجة، وتأجيل الأقل جدوى عند الضرورة، وتعظيم العائد الاقتصادي لكل ريال، مع المحافظة على الاستقرار المالي وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات.
من الصمود إلى النمو
يتوقع صندوق النقد الدولي أن يتباطأ نمو الاقتصاد السعودي إلى نحو 1.7% في 2026، ثم يقفز إلى 5.5% في 2027، بافتراض عودة الإنتاج والملاحة البحرية تدريجياً إلى طبيعتهما. أي أن ما نعيشه صدمة في المستوى، لا كسر في المسار.
والاختبار الحقيقي ليس قدرة السعودية على تجاوز هذه الأزمة، بل ما ستخرج به منها: منافذ تصدير أكثر تنوعاً، وصادرات وطنية أكثر تنافسية، ومصادر تمويل أوسع، وإنفاق أعلى كفاءة. فالنجاح لن يُقاس بحجم الإنفاق أو عدد المشاريع المعلنة، بل بحجم العوائد، ونمو الصادرات الوطنية، وارتفاع الإنتاجية، واستدامة الوظائف، وقدرة القطاع الخاص على المنافسة عالمياً. لقد منحت الجغرافيا السعودية موقعاً استثنائياً، ومنحها النفط ثروة هائلة، ومنحتها رؤية 2030 طريقاً للتحول. أما هذه الأزمة، فقد منحتها اختباراً صعباً كشف ما صمد وما يحتاج إلى إصلاح. والدول العظيمة لا تنتظر انتهاء الأزمات لتصنع مستقبلها، بل تصنعه وهي في قلبها.
استشاري الطاقة والتكنولوجيا
