كتبت قبل أكثر من 3 سنوات في هذه الجريدة مقالًا بعنوان (خدمات الصيانة تحتاج إلى صيانة)، وقلت في مقدمته إن هذا الموضوع يحتاج إلى أكثر من مقال، ليس مني فقط وإنما من الزملاء الكتّاب، لأنه يمس الحياة اليومية لشرائح المجتمع كافة.
واليوم أعيد طرح الموضوع، لأن المشكلة لا تزال قائمة وأدعو الجميع، متابعين وكتّابًا، إلى مشاركتي بأمثلة على ما قد طرأ من تحسن في هذه الخدمة خلال السنوات الأخيرة -مما يواجهه البعض مع العمالة التي نستعين بها لأعمال الصيانة في الكهرباء والتكييف والسباكة وغيرها من أعمال الصيانة، وما يعتري هذه الخدمة من قصور في أداء المهمة على الوجه المطلوب.
ولا تتوافر لطالب الخدمة وسيلة واضحة للتأكد من تأهيل العمالة المناسب في مجالاتها، ناهيك عن مدى نظامية مقدمي هذه الخدمة، ومدى انتمائهم إلى مؤسسات وكيانات نظامية تكفل الحقوق وتقدم الضمان اللازم لحسن الأداء. وسأركز حديثي هنا على الشق الأول، وهو التأكد من تأهيل العمالة في المجال الذي نطلب خدماتها فيه.
وأطرح اليوم مطلبًا بأن تبادر الجهة المختصة في وزارة الموارد البشرية إلى شرح خطوات التطوير التي تمت ضمن برنامج الاعتماد المهني. فقد وصفته الوزارة عند الإعلان عنه في 2023 بأنه: “يعزز كفاءة العمالة الوافدة بتغطية أكثر من 160 دولة حول العالم .. ويعمل على تحقيق استراتيجية وزارة الموارد البشرية الرامية إلى رفع كفاءة السوق ويعزز موثوقية مهارات العمالة الوافدة”.
وتذكر التقارير الصادرة عن البرنامج أنه “حقق العديد من المنجزات النوعية من خلال خدمة الفحص المهني التي تستهدف تقييم مستوى مهارات العمالة الحرفيّة الوافدة عبر إجراء اختبارات نظرية وعملية تطبيقية للتأكد من جاهزية العامل الوافد لسوق العمل السعودية في مختلف المهن عبر أكثر من 150 مركز داخلي ودولي .. كما تعمل خدمة التحقق المهني على ضمان صحة وموثوقية المؤهلات والخبرات للعمالة الوافدة”.
وهذا كلام جميل صادر من وزارة الموارد البشرية نفسها. وحبذا لو تُلزم محلات الصيانة المنزلية (والتطبيقات التي تقدم هذه الخدمة) بإبراز صورة من رخصة العمل، وبيان تخصص العامل وتصنيفه المهني، ليطلع عليها طالب الخدمة قبل الاستعانة به، فيطمئن إلى أنه استعان بعامل مؤهل في التخصص المطلوب، مع تكثيف الرقابة من قبل الوزارة وأمانات المناطق ووزارة التجارة والجهات المختصة، لضبط المخالفات وكشف التستر التجاري أو ممارسة مهن وتخصصات مختلفة دون الحصول على الاعتماد أو الشهادات المهنية اللازمة.
وفي ذلك تحقيق لإحدى مستهدفات الوزارة بسعيها إلى رفع كفاءة سوق العمل، والحد من تدفق العمالة غير المؤهلة، وتهيئة بيئة عمل أكثر إنتاجية وتنافسية. وهذا هو المطلوب في ظل رؤية 2030، التي تركز على الأخذ بأفضل الممارسات لتقديم خدمات راقية للمواطن في شتى المجالات.
وأخيرًا: ما دمنا نتحدث عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية المعروفة بتجاوبها مع كتّاب الرأي، فإنني أطرح فكرة مكملة للارتقاء بخدمات الصيانة المنزلية والاهتمام بها لراحة المواطن. وتتلخص الفكرة في تشجيع قيام تعاونيات في الأحياء لتقديم خدمات الصيانة المنزلية، على أن يكون هذا النشاط منضبطًا تحت إشراف الوزارة التي تنظم عمل التعاونيات وتشرف عليها، وقد أقر مجلس الوزراء الأسبوع الماضي نظامًا جديدًا للتعاونيات.
فخدمة الصيانة المنزلية اليوم بحاجة إلى نموذج ناجح يمكن للجهات الخاصة الاستفادة منه، ليشكل رافعة لمستوى المعايير ومحركًا لتحسين الخدمة وضبط الأسعار، بما يساعد الوزارة على تطبيق أنظمة الفحص المهني. ولا يعني ذلك أن تقتصر تجربة التعاونيات على الأسواق الغذائية، كما كان الحال في مراحل سابقة، وفي أحياء ومحافظات كانت تحتاج إلى هذه الخدمة، حتى نضجت التجربة وحل القطاع الخاص المنظم محلها.
إلا أن الحاجة اليوم لا تزال قائمة إلى تنظيم خدمات الصيانة المنزلية ودعمها، خصوصًا مع قرب دخول نظام التعاونيات الجديد حيز التنفيذ، بما يحقق ما أشار إليه مدير عام إدارة التعاونيات بالوزارة من أن النظام يسعى إلى “تعزيز الطبيعة الاقتصادية ويعزز التنافسية والمرونة”.
وأختم مقالي اليوم بالمناشدة نفسها التي ختمت بها مقالي قبل 3 سنوات، وهي أن توضح وزارة الموارد البشرية للجميع ما الذي تم تطويره في قطاع الصيانة المنزلية، وخاصة في مجال توظيف عمالة مؤهلة ومتفرغة، بإشراف مواطنين، ووفق اتفاقيات لتقديم الخدمة تضمن حقوق الطرفين.
كاتب اقتصادي
