الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الاستهلاك الكثيف .. التحدي المقبل

م. عبدالرحمن النمري
الاثنين 6 أكتوبر 2025 13:32 |2 دقائق قراءة

بات جليا أن العالم يشهد اليوم تحولا جذريا في أنماط استهلاك الطاقة نتيجة الثورة التقنية، والتوسع الصناعي، والنمو السكاني المتسارع. مع دخولنا مرحلة جديدة من التطورات الاقتصادية والرقمية، يبرز الاستهلاك الكثيف للطاقة في رأيي كأحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومات والشركات والمجتمعات على حد سواء، فبينما تسعى الدول إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام، نجد أن الطلب العالمي على الكهرباء يرتفع بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعا بعوامل جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والسيارات الكهربائية، والصناعات الثقيلة وغيرها من المتغيرات المطردة.

تقدر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب على الكهرباء سيرتفع بأكثر من 25% بحلول 2030 مقارنة بـ 2022، وهو ارتفاع ملحوظ يتطلب في اعتقادي استثمارات ضخمة في البنية التحتية ومصادر الطاقة دون استثناء ودون إقصاء لإحداهما. مراكز البيانات وحدها، التي تعد قلب الذكاء الاصطناعي النابض تستهلك اليوم نحو 460 تيراواط/ساعة سنويا على مستوى العالم، أي ما يعادل استهلاك دولة متوسطة الحجم، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم 3 مرات خلال العقد القادم ليصل إلى 1,580 تيراواط/ساعة بحلول 2034.

السعودية على سبيل المثال تشهد تحولا نوعيا في إستراتيجياتها لمواجهة هذا التحدي، عبر تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في التقنيات التي تعزز جميع مصادر الطاقة لديها، فبرنامجه الوطني للطاقة المتجددة يهدف إلى توليد ما يزيد على 50% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، ما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء.

هذا الانتقال في رأيي يتطلب  إدارة شاملة للطلب، من خلال كفاءة الاستخدام الصناعي والمباني والتقنيات الرقمية في مراقبة الاستهلاك.

من التحديات الأخرى المرتبطة بالاستهلاك الكثيف، هو الضغط المتزايد على شبكات النقل والتوزيع، خاصة مع انتشار محطات شحن المركبات الكهربائية، والتوسع في المدن الذكية. فكل جهاز ذكي، وكل عملية حوسبة، تضيف عبئا جديدا على منظومة الطاقة، ما يستدعي من الدول تطوير شبكات ذكية مرنة قادرة على التفاعل مع الطلب المتغير.

أرى أن المستقبل لن يكون لتوسيع منظومة التوليد فقط، بل لتحسين كفاءة الاستهلاك ورفعها، فخفض الهدر في قطاع الطاقة قد يعادل بناء عشرات المحطات الجديدة، وهنا يظهر دور الوعي المجتمعي، والسياسات التنظيمية، والتقنيات الحديثة في بناء منظومة طاقة متوازنة.

ختاما أود أن أسلط الضوء بعين استشرافية أن الاستهلاك الكثيف للطاقة يعد في اعتقادي تحديا جوهريا للعالم، والتعامل معه يتطلب مزيجا من الحلول تشمل رفع كفاءة الإنتاج والاستهلاك، وتنويع المصادر، والتخطيط الذكي للبنية التحتية. من يتعامل في رأيي مع هذه المعادلة بكفاءة من اليوم، سيقبض على زمام الطاقة غدا.

مختص في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية