الاثنين, 2 نوفمبر 2026|21 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لم تكن استعادة ثقة الأسواق في التزام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بمحاربة التضخم مهمة سهلة، لكن رئيسه كيفن وارش بدا، خلال الأسابيع الماضية، وكأنه نجح في تحقيق تقدم بهذا الاتجاه. فبعد بداية متعثرة، حملت تصريحاته في أواخر أغسطس ومنتصف سبتمبر إشارات واضحة إلى تمسك البنك المركزي بإعادة التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2%.

غير أن هذا الانطباع الإيجابي لم يستمر طويلاً. فقد أعادت تصريحات وارش الأخيرة إثارة الشكوك بشأن وضوح توجهات السياسة النقدية الأمريكية، بعدما أخفق في تقديم تفسير مقنع لقرار تثبيت أسعار الفائدة، رغم استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة وقوة أداء الاقتصاد.

ففي الوقت الذي أبقى فيه الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.75% إلى 4%، رفع تقييمه للاقتصاد الأمريكي من «متين» إلى «قوي»، مع إقراره بأن التضخم لا يزال مرتفعاً للغاية. وهنا برز السؤال الذي لم يتمكن وارش من الإجابة عنه بصورة واضحة: إذا كان الاقتصاد ينمو بقوة، والبطالة منخفضة، والتضخم أعلى من المستهدف، فلماذا لا يواصل البنك رفع أسعار الفائدة؟

هذا التناقض في الرسائل كان كافياً لإعادة فتح النقاش بشأن مدى جدية الاحتياطي الفيدرالي في استخدام أدواته النقدية لكبح التضخم، خصوصاً بعد الزيادة التي أقرها في سبتمبر، وكانت الأولى منذ أكثر من 3 أعوام.

رسائل غير واضحة وتوقعات متباينة

لم يقدم وارش خلال مؤتمره الصحفي إجابات شافية عن تساؤلات الصحفيين والمستثمرين، مكتفياً بالتأكيد أن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لم يكن لها أي تأثير في قرار تثبيت الفائدة، وأن خيار رفعها مجدداً في ديسمبر لا يزال مطروحاً.

ورغم تشديده على أن مستهدف التضخم البالغ 2% يظل الهدف الأساسي للاحتياطي الفيدرالي، فإن حديثه اتسم بالتباين وعدم الوضوح، وأعاد إلى الأذهان الانتقادات التي واجهها خلال مؤتمره الصحفي في يوليو.

فالتواصل مع الأسواق لا يقل أهمية عن القرارات النقدية ذاتها، لأن المستثمرين لا يراقبون أسعار الفائدة فحسب، بل يبحثون أيضاً عن إشارات واضحة بشأن رؤية البنك المركزي للاقتصاد، ومدى استعداده للتحرك عندما تقتضي الظروف ذلك.

وفي هذا السياق، يرى برايان جاكوبسن، من شركة «أنكس ويلث مانجمنت»، أن الكلمات وحدها لا تكفي لمواجهة التضخم، وهي رسالة تعكس أهمية أن تكون التصريحات النقدية مدعومة بمواقف وإجراءات واضحة، لا بمجرد عبارات عامة يصعب على الأسواق تفسيرها.

السندات تكشف تراجع الثقة

لم تمر هذه الرسائل دون انعكاس على الأسواق المالية. فقد اتسع الفارق بين عوائد السندات الأمريكية لأجل عامين و10 أعوام بأكثر من 6 نقاط أساس خلال تعاملات الأربعاء، مسجلاً أكبر زيادة يومية في ميل منحنى العائد منذ 29 يوليو.

كما ارتفع معدل تعادل التضخم للسندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 2.38%، وهو أعلى مستوى له منذ 15 سبتمبر، في إشارة إلى تصاعد توقعات المستثمرين بشأن التضخم على المدى الطويل.

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة لأنها تعكس تساؤلات الأسواق بشأن قدرة الاحتياطي الفيدرالي على إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف، ومدى استعداده لاتخاذ قرارات نقدية أكثر تشدداً إذا استدعت الظروف ذلك.

فالمصداقية النقدية لا تُبنى فقط على إعلان الأهداف، وإنما على قدرة البنك المركزي على إقناع الأسواق بأن قراراته وتصريحاته تسير في الاتجاه نفسه.

خلافات داخل المؤسسة النقدية

لا تقتصر التحديات التي تواجه وارش على طريقة التواصل مع المستثمرين، بل تمتد إلى الانقسامات داخل لجنة السياسة النقدية نفسها. فخلال الشهر الماضي، شهد الاحتياطي الفيدرالي 3 اعتراضات من أعضاء يتبنون توجهاً أكثر تشدداً تجاه التضخم، وهو أكبر عدد من الاعتراضات خلال عقد. كما شهد اجتماع الأربعاء اعتراضاً متزامناً من عضو في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي ورئيس أحد البنوك الاحتياطية الإقليمية، في تطور نادر يعكس اتساع الاختلافات بشأن المسار المناسب للسياسة النقدية.

وتزيد هذه الخلافات من صعوبة مهمة رئيس البنك المركزي، الذي يحتاج إلى تقديم رؤية متماسكة تعكس قرارات اللجنة الجماعية، لا أن تترك تصريحاته انطباعاً بأن المؤسسة النقدية تفتقر إلى التوافق بشأن أولوياتها. ومع ذلك، فإن اختلاف وجهات النظر داخل الاحتياطي الفيدرالي ليس أمراً غير مألوف، بل يمثل جزءاً من طبيعة عملية صنع القرار النقدي، خصوصاً عندما تتباين تقديرات المسؤولين بشأن مخاطر التضخم والنمو.

اختبار صعب أمام السياسة النقدية الأمريكية

يأتي هذا الارتباك في مرحلة حساسة للاقتصاد الأمريكي، مع ارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فضلاً عن الضبابية التي تحيط بآفاق النمو العالمي. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على ثقة الأسواق تحدياً لا يقل أهمية عن اتخاذ القرار بشأن أسعار الفائدة. فالتضخم المرتفع يتطلب سياسة نقدية حازمة، بينما يفرض عدم اليقين الاقتصادي ضرورة الموازنة بين كبح ارتفاع الأسعار وتجنب إلحاق أضرار غير ضرورية بالنشاط الاقتصادي.

لقد بدا أن وارش تمكن من استعادة جزء من الثقة المفقودة عبر خطاب جاكسون هول في 28 أغسطس وتصريحاته عقب اجتماع 16 سبتمبر، لكنه عاد بخطابه الأخير ليضع هذه المكاسب موضع تساؤل.

وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي أمام الاحتياطي الفيدرالي لا يتمثل فقط في تحديد ما إذا كان سيرفع أسعار الفائدة في ديسمبر أو سيبقيها دون تغيير، بل في إقناع الأسواق بأن لديه إستراتيجية واضحة ومتماسكة لإعادة التضخم إلى مستهدفه.

فالبنوك المركزية لا تحارب التضخم بأسعار الفائدة وحدها، وإنما تعتمد أيضاً على مصداقيتها وقدرتها على توجيه توقعات الأسواق. وعندما تتضارب الرسائل، تصبح استعادة الثقة أكثر صعوبة، حتى لو ظلت الأهداف المعلنة دون تغيير.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية