من بين مدن الريف الهولندي، تبرز واغنينغن بوصفها نموذجًا عالميًا يتجاوز كونها مدينة جامعية هادئة؛ إذ تُعرف بأنها أحد أبرز مراكز الابتكار الزراعي والغذائي في العالم، حيث تشكلت حول جامعة ومركز أبحاث فاخينينغن منظومة متكاملة تجمع البحث العلمي، والتكنولوجيا، والاستثمار، والقطاع الخاص.
ولم يكن هذا التحول مجرد قصة نجاح لمدينة جامعية، بل نموذجًا أعاد صياغة مفهوم الأمن الغذائي من التركيز على زيادة الإنتاج إلى بناء منظومة معرفية قادرة على رفع كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
وتطرح هذه التجربة سؤالًا يتجاوز حدود هولندا: هل أصبح الأمن الغذائي في القرن الـ21 يُقاس بحجم الإنتاج الزراعي، أم بقدرة الدول على بناء منظومات مرنة قادرة على إدارة المخاطر واستدامة الإمدادات؟
وخلال زيارتي إلى واغنينغن، بدا واضحًا أن نجاح هذا النموذج لم يكن قائمًا على زيادة الإنتاج الزراعي فحسب، بل على التكامل بين البحث العلمي، والابتكار، والقطاع الخاص، والسياسات الداعمة. ومن هنا تحوّل الأمن الغذائي من قضية إنتاج إلى قضية ترتبط بقدرة الدول على إدارة الموارد والمخاطر وبناء سلاسل إمداد أكثر كفاءة واستدامة.
كشفت الأزمات العالمية المتلاحقة، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالتوترات الجيوسياسية، وصولًا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد، أن الأمن الغذائي لم يعد يُقاس بتوافر الغذاء فحسب، بل بقدرة الدول على ضمان استدامة الإمدادات والتكيف مع الصدمات. ومع تصاعد تأثير القيود التجارية، والتغيرات المناخية، والتنافس على الموارد الطبيعية، أصبح الأمن الغذائي ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية.
ومن هذا المنطلق، لم يعد نجاح السياسات الغذائية يرتبط بمستويات الاكتفاء الذاتي وحدها، بل بقدرتها على بناء منظومة متكاملة ترتكز على تنويع مصادر الإمداد، ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد، وتسريع تبني التقنيات الزراعية الحديثة، بما يعزز قدرة الاقتصاد على التكيف مع المتغيرات العالمية.
أدركت مملكتنا مبكرًا هذا التحول، لذلك لم يعد الأمن الغذائي يُدار باعتباره ملفًا زراعيًا فحسب، بل أصبح جزءًا من مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر النمو.
وقد انعكس هذا التوجه في عدد من المبادرات والاستثمارات النوعية؛ إذ ضخ صندوق التنمية الزراعية تمويلات تجاوزت 25 مليار ريال خلال السنوات الـ5 الماضية، أسهمت في تحفيز استثمارات زراعية تجاوزت 36 مليار ريال. وتعكس هذه الاستثمارات تحولًا من دعم الإنتاج التقليدي إلى بناء منظومة زراعية أكثر كفاءة واستدامة، ترتكز على رفع الإنتاجية وتعزيز مرونة القطاع الغذائي.
إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من تعزيز الإنتاج إلى تعظيم القيمة الاقتصادية لمنظومة الأمن الغذائي؛ فالتحدي لم يعد يقتصر على ضمان توافر الإمدادات، بل يمتد إلى تعظيم كفاءة المنظومة وتعزيز قدرتها على التعامل مع المتغيرات العالمية. ومن هذا المنطلق، أصبح الأمن الغذائي قطاعًا اقتصاديًا واعدًا يفتح آفاقًا للاستثمار في الابتكار وسلاسل القيمة الغذائية، بما يسهم في خلق فرص عمل نوعية، وتعزيز المحتوى المحلي، ورفع تنافسية الاقتصاد.
كما يمثل الحد من الفقد والهدر الغذائي أحد أعلى الاستثمارات عائدًا في منظومة الأمن الغذائي؛ إذ يسهم في رفع كفاءة استخدام الموارد، وتقليل الضغوط على المياه والطاقة، وخفض تكاليف الاستيراد، دون الحاجة إلى زيادة الإنتاج الزراعي، وهو ما يجعله أداة اقتصادية فعالة إلى جانب كونه هدفًا تنمويًا.
وانطلاقًا من ذلك، تبرز 5 مسارات إستراتيجية يمكن أن تسهم في تعزيز كفاءة منظومة الأمن الغذائي، ورفع مرونتها وجاهزيتها خلال المرحلة المقبلة:
أولًا: تطوير مؤشر وطني لمرونة الأمن الغذائي يقيس قدرة المنظومة الغذائية على التكيف والتعافي من الصدمات، من خلال دمج مؤشرات تنوع مصادر الاستيراد، ومستويات المخزون الإستراتيجي، وكفاءة الخدمات اللوجستية، وسرعة استعادة سلاسل الإمداد، ليكون مرجعًا دوريًا لتقييم جاهزية المنظومة الوطنية.
ثانيًا: تطوير إطار وطني لقياس العائد الاقتصادي لاستثمارات الأمن الغذائي، يقيّم الأثر طويل المدى للاستثمارات في البنية التحتية، والابتكار، والتقنيات الزراعية، من خلال قياس مساهمتها في الناتج المحلي، ورفع الإنتاجية، وتعزيز المحتوى المحلي، وخفض المخاطر الاقتصادية، بما يساعد على توجيه الاستثمارات المستقبلية نحو أعلى قيمة مضافة.
ثالثًا: دمج مخاطر الأمن الغذائي ضمن منظومة إدارة المخاطر الاقتصادية الوطنية، بحيث تصبح المخاطر المرتبطة بالغذاء جزءًا من تقييم المخاطر الكلية للاقتصاد، بما يعزز التكامل بين السياسات الاقتصادية، والتجارية، واللوجستية، والزراعية، ويرفع كفاءة الاستجابة للأزمات.
رابعًا: تطوير منهجية وطنية لقياس القيمة الاقتصادية للحد من الفقد والهدر الغذائي، بحيث لا يقتصر تقييم المبادرات على كمية الغذاء التي تم إنقاذها، بل يمتد إلى قياس أثرها في ترشيد استهلاك المياه والطاقة، وخفض الانبعاثات، وتقليل تكاليف الاستيراد، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.
خامسًا: تعزيز دور القطاع الخاص بوصفه شريكًا في تطوير منظومة الأمن الغذائي، من خلال توسيع مشاركته في الاستثمار والابتكار وسلاسل القيمة الغذائية، وربط الحوافز الاستثمارية بمؤشرات الأداء والإنتاجية والاستدامة، بما يسهم في رفع كفاءة المنظومة وتعزيز تنافسيتها على المدى الطويل.
أصبحت مرونة المنظومة الغذائية اليوم أحد أهم مؤشرات جاهزية الاقتصادات لمواجهة الأزمات، ولم يعد الأمن الغذائي يرتبط بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرة الدول على إدارة المخاطر، وتعظيم كفاءة مواردها، وتحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية مستدامة. وفي هذا الإطار، فإن المرحلة المقبلة لا تقتصر على إطلاق مبادرات جديدة، بل تمتد إلى تطوير أدوات قياس الأداء، وتعزيز الحوكمة، ورفع كفاءة إدارة المخاطر، بما يضمن استدامة منظومة الأمن الغذائي، ويعزز مساهمتها في النمو الاقتصادي، ويدعم طموح السعودية في أن تكون مركزًا عالميًا للابتكار في حلول الأمن الغذائي للبيئات الجافة.
مستشارة في السياسات الاقتصادية والتخطيط الإستراتيجي
