محمد كركوتي
- العوامل كثيرة تلك التي تفاقم وضعية الأمن الغذائي العالمي. بعضها جديد، وبعضها الآخر لا يزال بعيداً عن حلول ناجعة لـ "مطباته". وبالرغم من تحسن وضعية الغذاء بصورة عامة في العقدين الماضيين، من خلال مجموعة من البرامج الدولية، إلا أن هذه العوامل امتصت كل الإنجازات تقريباً، ولا سيما أنها تأتي من عدة مصادر، من بينها التغييرات المناخية المتزايدة، والاضطرابات في سلاسل التوريد، فضلاً عن مجموعة من النزاعات المتواصلة، إلى جانب طبعاً العامل "الأزلي" المتعلق بأسعار المواد الغذائية، وخصوصاً الأساسية منها، في سياق ارتفاعات تاريخية لمستويات التضخم.
وفي الآونة الأخيرة، دخلت أزمة الطاقة على الخط، لترفع التهديدات المستهدفة للأمن الغذائي، ولا سيما في ظل تفاقمها، وإمكانية استمراريتها لفترة لا يبدو أنها ستكون قصيرة.
- بالطبع تزداد الضغوط أكثر في ساحات البلدان الهشة، التي تعتمد أساساً على الواردات، ما يرفع من حدة معاناة سكانها، ناهيك عن مناطق النزاع التي تعاني نقص الغذاء بسبب صعوبة الوصول إلى المستفيدين منه. فعلى سبيل المثال، يواجه نحو 1.4 مليون شخص أزمة انعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة.
وفي بلد كأفغانستان يحذر مكتب الأمم المتحدة (أوتشا) من أن نحو 19.2 مليون شخص سيكونون معرضين لانعدام حاد في الأمن الغذائي في موسم الشتاء المقبل. في المنطقة العربية يعاني 186.5 مليون شخص من انعدام هذا الأمن، من بينهم (وفق المؤسسات الدولية) أكثر من 66 مليون نسمة يواجهون الجوع الفعلي، دون أن ننسى أن واردات الغذاء تشكل ما نسبته 35 إلى 40 % من سلة أسعار الغذاء. في المجمل يواجه 260 مليون شخص مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي في المنطقة العربية، استناداً إلى تقديرات صندوق النقد الدولي.
- أسعار الغذاء تقفز بصورة مخيفة، حتى أنها بلغت 50% في مادة الأرز منذ اندلاع المواجهة الأمريكية الإيرانية في المنطقة. وعلى المستوى العالمي، الأمر ليس أفضل، بل يكاد يكون أسوأ، والمسببات عديدة، منها التغييرات المناخية، التي تحدث موجات حر شديدة، وفيضانات وموجات جفاف حادة، ما يضيف المزيد من المعضلات في المواجهة للسيطرة على الأمن الغذائي.
- بالطبع تختلف التهديدات بين منطقة وأخرى، إلا أن المخاطر تبقى عالمية، وتتوجب التدخلات الفاعلة من أجل تأمين أكبر مستوى ممكن لأمن الغذاء، ولا شك في أن ضمان إنتاج جيد يبقى عاملاً مهماً، إلا أنه يتطلب دعم لوجستياً، سواء من خلال توفير ممرات أكثر استدامة له، أو عبر تحييد الأدوات المعطلة لسلاسل التوريد.
- في ظل هذا المشهد، لا بد من العمل على الحد ما أمكن من وتيرة ارتفاع الأسعار، التي تعمق انعدام الأمن الغذائي بصفة عامة. فالصدمات المناخية المشار إليها، وارتفاع أسعار الأسمدة والوقود، لا يسبب هذا "الانعدام" فحسب، بل يخفض الناتج المحلي الإجمالي، ويضعضع الماليات العامة هنا وهناك.
كاتب اقتصادي
