السبت, 7 نوفمبر 2026|26 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

قد يحمل أي اتفاق تجاري مرتقب بين الولايات المتحدة وكندا بشأن الألمنيوم أنباء إيجابية للمستهلكين الأمريكيين، لكنه قد يتحول في المقابل إلى مصدر ضغط جديد على الأسواق الأوروبية، التي تعاني بالفعل نقصاً في الإمدادات وارتفاعاً في تكاليف استيراد المعدن.

فخفض الرسوم الجمركية الأمريكية على الألمنيوم الكندي لن يعيد تشكيل حركة التجارة بين البلدين فحسب، بل قد يطلق موجة جديدة من التحولات في خريطة تدفقات المعدن وأسعاره العالمية.

وفي وقت تتزايد فيه الضغوط على تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة، وتتصاعد المنافسة على الإمدادات المتاحة من الألمنيوم، تبدو أوروبا أمام معادلة صعبة: إما دفع أسعار أعلى لجذب الشحنات الكندية، أو مواجهة مزيد من الضغوط على الصناعات التحويلية والمستهلكين النهائيين.

ويرى خورخي فاسكيز، مؤسس ومدير شركة «هاربور ألومنيوم» الاستشارية الأمريكية، أن خفض الرسوم على الألمنيوم الكندي مسألة وقت لا أكثر، وهو ما أعلنه خلال ندوة بورصة لندن للمعادن الشهر الماضي.

ورغم أن هذا التوقع بدا جريئاً آنذاك، فإن واشنطن وأوتاوا تبدوان الآن أقرب إلى التوصل لاتفاق تجاري، وفق تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وإن كان المفاوضون الكنديون أكثر تحفظاً في تصريحاتهم العلنية. لكن سوق الألمنيوم لا تزال تتعامل بحذر مع هذه الاحتمالات، بعدما شهدت في أغسطس الماضي مؤشرات مماثلة على قرب تسوية النزاع التجاري بين البلدين، قبل أن تتبدد الآمال في التوصل إلى اتفاق سريع.

الرسوم الأمريكية تعيد رسم خريطة الأسعار

تظل علاوة الألمنيوم في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي، التي تمثل تكلفة المعدن فوق السعر الأساسي في بورصة لندن للمعادن بعد احتساب الرسوم الجمركية، مرتفعة رغم تراجعها منذ مايو الماضي. وتبلغ العلاوة حالياً 1.093 دولار للرطل، بما يعادل 2409 دولارات للطن المتري، وهو مستوى يعكس الأثر الكبير للرسوم الأمريكية على تكلفة المعدن في السوق المحلية.

وفي حال خفض الرسوم المفروضة على الألمنيوم الكندي من 50% إلى 25%، وهو السيناريو الأساسي الذي تتوقعه الأسواق، فمن المرجح أن تشهد هذه العلاوة تراجعاً حاداً. وسيكون ذلك تطوراً إيجابياً للمستهلكين الأمريكيين، الذين تحملوا جانباً كبيراً من تكلفة الرسوم الجمركية، لكنه قد يفرض ضغوطاً إضافية على المشترين الأوروبيين، الذين يعتمدون بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاتهم الصناعية.

تراجع الإمدادات الكندية يضغط على السوق الأمريكية

أدت مضاعفة الرسوم الجمركية الأمريكية على الألمنيوم الكندي إلى 50% في يونيو من العام الماضي إلى انخفاض حاد في واردات الولايات المتحدة من المعدن الأولي الكندي. وبحسب بيانات مكتب إحصاءات المعادن العالمي، تراجعت التدفقات عبر الحدود بنسبة 26% خلال العام الماضي، لتصل إلى 2.03 مليون طن متري، كما انخفضت بنسبة 14% إضافية خلال الأشهر الأولى من  2026. ورغم هذا التراجع، لا تزال كندا أكبر مورد منفرد للألمنيوم إلى السوق الأمريكية، التي تعتمد بصورة كبيرة على الواردات لتلبية الطلب المحلي.

ولم تتمكن إعادة تشغيل بعض الطاقات الإنتاجية المتوقفة في الولايات المتحدة من تغيير هذه المعادلة بصورة جوهرية، رغم استئناف الإنتاج في مصنع «ماونت هولي» التابع لشركة «سنتشري ألومنيوم» في ولاية ساوث كارولاينا، ومصهر «ماغنيتيود 7 ميتالز» في نيو مدريد في ولاية ميزوري. كما لا يزال مشروع إنشاء مصهر جديد في ولاية أوكلاهوما بعيداً عن بدء الإنتاج لعدة سنوات، حتى مع افتراض تجاوز الاعتراضات المحلية وتأمين اتفاق تنافسي لتوفير الكهرباء.

وفي هذه الأثناء، سعت الولايات المتحدة إلى تعويض تراجع الإمدادات الكندية من خلال تنويع مصادر الاستيراد، إلا أن إجمالي وارداتها من الألمنيوم الأولي انخفض بنسبة 10% على أساس سنوي خلال الفترة من يناير إلى أغسطس.

أوروبا تستفيد من التحول في مسارات التجارة

على الجانب الآخر، كانت أوروبا من أبرز المستفيدين من التحولات التي أحدثتها الرسوم الأمريكية في حركة تجارة الألمنيوم. فمنذ زيادة الرسوم على المعدن الكندي، اتجهت كميات أكبر من الصادرات الكندية إلى الأسواق الأوروبية، في تحول يعكس قدرة التجارة العالمية على إعادة توجيه مساراتها وفقاً للسياسات الجمركية وتكاليف الوصول إلى الأسواق.

ووفقاً لبيانات مكتب إحصاءات المعادن العالمي، ارتفعت الشحنات الكندية إلى هولندا من 64.8 ألف طن في عام 2024 إلى 372 ألف طن خلال العام الماضي. ولم يتوقف هذا النمو عند ذلك الحد، إذ قفزت الصادرات إلى هولندا بنسبة 98% على أساس سنوي، لتبلغ 215 ألف طن خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026.

كما استقبلت إيطاليا وبولندا واليونان كميات كبيرة من الألمنيوم الكندي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكتسب هذه التدفقات أهمية خاصة بالنسبة إلى أوروبا، التي تواجه نقصاً متزايداً في الإمدادات نتيجة تزامن عدة عوامل ضاغطة على السوق.

3 صدمات تضاعف أزمة الألمنيوم الأوروبية

تعتمد أوروبا، شأنها شأن الولايات المتحدة، بدرجة كبيرة على واردات الألمنيوم، لكنها تعرضت خلال العامين الماضيين لثلاث صدمات رئيسية في جانب الإمدادات.

أولها، التوجه نحو التخلص التدريجي الكامل من واردات الألمنيوم الروسي، الذي كان يمثل مصدراً رئيسياً للمشترين الأوروبيين، وذلك في إطار الاستجابة للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.

وثانيها، قرار شركة «ساوث 32» وقف تشغيل مصهرها في موزمبيق اعتباراً من مارس 2026، وهو ما أدى إلى خروج مورد مهم من السوق الأوروبية.

أما الصدمة الثالثة، فتتمثل في الحرب الإيرانية والاضطرابات التي أعقبتها في تدفقات الألمنيوم من منطقة الخليج، الأمر الذي فاقم شح المعروض في الأسواق الأوروبية. وقد انعكست هذه التطورات بصورة مباشرة على العلاوات السعرية للألمنيوم المادي في أوروبا، التي تعكس تكلفة المعدن فوق السعر الأساسي في بورصة لندن للمعادن.

ويتداول عقد بورصة شيكاغو التجارية «سي إم إي» للألمنيوم غير المدفوع الرسوم الجمركية عند علاوة تبلغ 438 دولاراً للطن فوق السعر الأساسي في بورصة لندن للمعادن، في حين وصلت علاوة المعدن المدفوع الرسوم إلى 574 دولاراً للطن.

ورغم أن العلاوتين لا تزالان دون مستوياتهما القياسية المسجلة في مايو الماضي، عندما كانت صدمة إمدادات الخليج تلقي بظلالها على سلاسل التوريد العالمية، فإنهما تظلان مرتفعتين وفقاً للمعايير التاريخية، خصوصاً في ظل ضعف الطلب الحالي. وقد أسهمت الصادرات الكندية في تخفيف جانب من هذه الضغوط، لكن استمرار هذا الدور يظل مرهوناً بمستقبل المفاوضات التجارية بين واشنطن وأوتاوا.

الانتخابات الأمريكية تضيف عاملاً جديداً إلى المعادلة

لا تقتصر تداعيات الرسوم الأمريكية على الألمنيوم على العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة وكندا، بل تمتد إلى المشهد السياسي الأمريكي الأوسع، خصوصاً بعد الفوز الكبير للحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي.

فقد يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة إلى دفع إدارة ترمب نحو مراجعة موقفها من الرسوم الجمركية، التي أصبحت أحد العوامل المؤثرة في أسعار السلع وتكاليف الإنتاج. ومع تصاعد الضغوط على المستهلكين، قد تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام حافز اقتصادي وسياسي لتخفيف بعض الرسوم، بما يسهم في خفض تكاليف المواد الخام وتحسين القدرة التنافسية للصناعات المحلية.

وكان فاسكيز قد توقع، إلى جانب خفض الرسوم على الألمنيوم الكندي، إمكانية منح دول حليفة أخرى معاملة تجارية تفضيلية مماثلة. وإذا شمل هذا التوجه موردين من منطقة الخليج، مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر، فإن المنافسة على الألمنيوم المتاح في الأسواق العالمية قد تزداد حدة، مع احتمال توجيه مزيد من الشحنات إلى الولايات المتحدة على حساب المشترين الأوروبيين.

أوروبا أمام فاتورة أعلى للصناعات التحويلية

في حال حصول الموردين الكنديين والخليجيين على معاملة جمركية تفضيلية في السوق الأمريكية، فقد تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى رفع العلاوات السعرية لجذب كميات إضافية من الألمنيوم. ومن شأن ذلك أن ينعكس بصورة مباشرة على الصناعات التحويلية الأوروبية، التي تعتمد على المعدن في قطاعات متعددة، تشمل النقل والسيارات والبناء والتعبئة والتغليف.

فارتفاع أسعار الألمنيوم لا يقتصر تأثيره على المصاهر أو المستوردين، بل ينتقل عبر سلسلة القيمة الصناعية إلى الشركات المصنعة والمستهلكين النهائيين. وبينما قد تستفيد الولايات المتحدة من خفض تكاليف وارداتها، فإن أوروبا قد تواجه ضغوطاً متزايدة على هوامش أرباح شركاتها الصناعية، في وقت لا تزال فيه البيئة الاقتصادية تتسم بضعف الطلب وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وهكذا، فإن أي اتفاق تجاري أمريكي كندي جديد قد يتجاوز أثره حدود البلدين، ليعيد رسم خريطة تجارة الألمنيوم العالمية مرة أخرى، ويضع المشترين الأوروبيين أمام تحدٍ إضافي في تأمين الإمدادات بأسعار تنافسية.

كاتب عمود متخصص في أسواق المعادن وكالة رويترز.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية