معضلة المنافسة ليست جديدة في قطاع الأعمال، فيعد مصطلح المنافسة ذا طابع يشوبه الغموض ومفهوم تتعارض به المصالح في بيئة الشركات لما قد يحمله من مخاطر عالية على الشركة، فيقع على عاتق عضو مجلس الإدارة واجب الولاء والعناية اللازمة عند انضمامه إلى مجلس إدارة الشركة، كون طبيعة تلك العلاقة ائتمانية فهم أمناء لجميع المساهمين ويمثلونهم، فتُعد منافسة عضو مجلس الإدارة لأعمال الشركة من أصعب التحديات التي تواجهها الشركات فعضو المجلس مؤتمنٌ على مصالح الشركة لا منافستها بل يُفترض منه أن يضع مصلحة الشركة فوق أي مصلحة شخصية متعارضة معها.
تعرف الأعمال المنافسة بأنها: أي عمل من شأنه منافسة الشركة في نشاطها أو أحد فروع النشاط، على سبيل المثال لا الحصر: تأسيس عضو مجلس الإدارة لكيان أو تملكه نسبة مؤثرة لأسهم أو حصص في شركة أو منشأة أخرى تزاول نشاطاً مرتبطاً بالشركة أو وكالة تجارية في النشاط نفسه، أو قبول عضوية مجلس إدارة شركة منافسة للشركة أو إدارتها أو فرصة تجارية، ودائماً ما يقال إن كل منافسة تعارض مصالح وليس كل تعارض مصالح يعد منافسة.تشير الممارسات العالمية، في دول بريطانيا، وأستراليا، وسويسرا، وولاية ديلاوير الأمريكية، إلى منع استخدام المنصب لتحقيق منفعة، والتأكيد على واجب الولاء والعناية دون حظر مستقل للعمل المنافس؛ إذ يُتأكَّد من مدى تعارض المصالح، وآلية المعالجة، والإخفاق في جانب الولاء والائتمان. أما تركيا، فحسب التفسير القضائي، يُركَّز على النشاط الفعلي المتطابق للشركة فقط وليس الأنشطة العامة، بل بوجود نشاط اقتصادي متطابق لهذا النشاط، وتميل اليابان إلى النهج ذاته إلى حد كبير. ويمكن تقسيم الدول إلى دول تحظر العمل المنافس إلا بموافقة وترخيص، ودول لا تحظره بشكل مستقل، بل تقيد استغلال المعلومة، والفرصة، والمنصب، ومدى تطابق الأنشطة تماماً.في السعودية، نص نظام الشركات على منع مشاركة العضو في أي عمل منافس للشركة أو أن ينافسها في أي من فروع النشاط، إلا بعد الحصول على ترخيص بشكل سنوي من الجمعية العامة للمساهمين، وعدم استغلال أصولها أو معلوماتها أو فرصها الاستثمارية لتحقيق مصلحة له، ووضحت لائحة الحوكمة الكيفية من حيث إبلاغ المجلس، وامتناع العضو صاحب المصلحة عن التصويت وتأثيرها على استقلاليته، وإبلاغ الجمعية العامة العادية سنوياً وفق معايير تصدرها الجمعية العامة بناءً على توصية من مجلس الإدارة، وجميعها لا بد من الإفصاح عنها في التقرير السنوي لكل شركة بشكل واضح، وكذلك الإفصاح عنها في نموذج الترشح المقدم من العضو بالرغم من أن الإفصاح أو الترخيص لا يشكلان حصانة مطلقة.يظل التساؤل الأكثر جدلاً يدور حول المقصود "بفروع النشاط" للشركة وتعريف مفهوم "النسبة المؤثرة"؟ فالسجل التجاري لأغلب الشركات المساهمة يتضمن عادةً أنشطة متعددة أُدرجت على سبيل التوسع المستقبلي المحتمل، لا على سبيل الممارسة الفعلية الواقعية، فهل يمتد الحظر ليشمل أي نشاط مسجل في السجل ولو لم تباشره الشركة فعلياً، أم يقتصر على النشاط الذي تمارسه بالفعل والمتطابق مع نشاطها والذي يشكل مصدر إيرادها وقيمتها التنافسية؟
وسيُجاب عن التساؤل من جانبين؛ إن الأخذ بالتفسير الأول يوسع دائرة الحظر إلى حد قد يقيد أعضاء المجلس عن استثمارات مشروعة لا صلة حقيقية لها بمركز الشركة التنافسي، بينما يميل التفسير الثاني إلى حماية الشركة من استغلال موقع العضو لمصلحة نشاط ينافسها فعلاً لا احتمالاً. ومع ذلك، لم يحسم النظام ولا اللائحة هذا الخلاف، وتُرك الأمر لتقدير كل مجلس إدارة وجمعية مساهمين لتضع ما يتناسب معها.
أما من حيث مفهوم "النسبة المؤثرة" فلم تضع الأنظمة واللوائح معياراً رقمياً واضحا لقياسها، فهل يُقاس التأثير بنسبة الملكية وحدها، أم بحق تعيين ممثل في مجلس إدارة الجهة المنافسة، أم بحقوق التصويت أو الاعتراض لمساهمي الأقلية؟
ويبرز هذا التباين عند مقارنته بمفاهيم أخرى أكثر تحديداً وقابلية للقياس مثل مفهوم "السيطرة" و"المساهم الكبير"؛ إذ يعكس هذا الغياب صعوبة موضوعية في وضع معيار جامد يلائم جميع الشركات باختلاف أحجامها وهياكل ملكيتها، إلا أنه في المقابل يضع عضو المجلس في موقف قانوني هش، فقد يرى أن حصته في منشأة منافسة مجرد استثمار مالي لا يمنحه أي تأثير، بينما قد يذهب المجلس أو القضاء لاحقاً إلى رأي مغاير، وما يترتب على هذا التضارب من جزاءات قد تصل إلى إبطال العقود واسترداد الأرباح ومساءلة العضو نتيجة غياب الوضوح في تفسير العمل المنافس، وقد يمتد حظر المنافسة على العضو لحظر واسع غير مبرر على نشاطه.
وأخيراً، فإن اتساع مفهوم العمل المنافس، وتعدد مستويات تفسيره بين النظام واللائحة ومعايير الشركة، يستدعي تدخلاً تنظيمياً أكثر دقة من الجهات التنظيمية، سواء بتحديد حد أدنى لمدلول "النسبة المؤثرة"، أو بربط "فروع النشاط" بالنشاط الفعلي الممارس والمماثل بدقة بدلاً من حصر الأنشطة المسجلة، ومدى تأثر نشاط الشركة من حيث النطاق، والإيرادات، والعملاء، مع منح كل شركة المرونة في تشديد هذه المعايير أو تخفيفها بما يتناسب مع طبيعة نشاطها. فمتانة قواعد حوكمة الشركات لا تُقاس بكثرة النصوص التي تعالج المسألة بل بمدى وضوحها وفاعلية تطبيقها.
باحث متخصص في الاستدامة والحوكمة
