الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 21 أبريل 2026 | 4 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

اقتصاد المحافظات .. بيشة نموذجا

محمد البيشي
الاثنين 20 أبريل 2026 17:31 |4 دقائق قراءة

رئيس تحرير الاقتصادية

انطلقت التنمية في السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ولا تزال قائمة على مفهوم التنمية الشاملة، أي أن برامج التنمية تشمل جميع مدن السعودية ومحافظاتها ومناطقها. هذا النهج اتبعته القيادات المتعاقبة كلها على مدى 80 عامًا، فبناء جامعة في الجوف كان يقابله بناء جامعة في أبها، ومدرسة في القطيف يقابلها مدرسة في ينبع، وجسر وطريق إستراتيجي في الشمال يقابله مشروع مماثل في الجنوب.

هذه التنمية المتوازنة تختلف جذريًا عن سياسة التنمية المركزة التي تتبعها بعض الدول بتركيز الاستثمارات في مدن محددة فقط.

رؤية 2030 أكدت هذا المفهوم ووسّعت نطاق التنمية الشاملة لكنها أعطت التركيز على المزايا النسبية لكل منطقة، مساحةً أكبر عندما حان الوقت لذلك. واليوم لدينا رؤى خاصة للمدينة المنورة، والعلا، والدرعية، وعسير، وجازان، وغيرها من المدن. ويعمل الجميع على تعظيم المكاسب التنموية ورفع جودة الحياة وتوفير فرص العمل بناء على المزايا النسبية للمدن.

اليوم نحن بحاجة ماسة إلى التركيز على مفهوم "اقتصاد المحافظات" تحديدًا، ويُعد نموذج الأحساء والعلا مثالًا يُحتذى به من خلال تحقيق شكل من أشكال الاكتفاء الذاتي وتوفير فرص عمل محلية، إضافة إلى تعظيم الوجهات السياحية ودمجها في منظومات السياحة والترفيه والثقافة. ومن هذه المحافظات التي تستحق التركيز محافظة بيشة.

إنَّ تاريخ بيشة اقتصاديا يمتد إلى عصور قديمة؛ حيث كانت حاضرة في شعر شعراء المعلقات وغيرهم في الجاهلية، واستمر حضورها في مراحل تاريخ السعودية الحديث، ولا سيما منذ عهد التأسيس، إذ كانت محطةً مهمةً للقوافل المتجهة جنوبا في مرحلة توحيد المملكة. وكانت تمتلك ثروات زراعية هائلة، ورجال أعمال متميزين وعوائل أسهمت في دعم مرحلة التوحيد اقتصاديًا.

ومما يذكر أن إبل الملك عبدالعزيز -رحمه الله- كانت تقضي وقتا طويلا من السنة في ربوع أودية بيشة.

يقول محمد بن عبدالله الحويل أحد أبناء المحافظة: "بيشة تاريخ من الزراعة، فلا بعد بيشة عيشة" كما كان يقال قديمًا. وفي التجارة كانت سوق نمران من أشهر أسواق جزيرة العرب. وفي العصر الحديث كانت بيشة مزود نجد بالأغنام.

ويوضح عبدالله الفاضل أحد المتابعين: "بيشة كانت مقصدًا للاستقرار والتجارة والارتواء، لكن بعد السد تعرضت لجفاف أثر في المزارعين تأثيرًا كبيرًا، وظهر ذلك على ارتحال الناس عن بعض قراها، وعلى جودة إنتاج التمور وقلة الإنتاج والتصحر، بعد أن كانت المورد الأول للتمور لمناطق جازان وعسير ومكة". ومع ذلك أرى أن السد فرصة اقتصادية لإنتاج الطاقة واستخدام المياه بصورة أمثل، إذ إنه لم يُستغل حتى الآن كما يجب.

ويقول متابع آخر، إن بيشة كانت أكبر أسواق الجزيرة حتى الأربعينيات من القرن الماضي، وأكبر منتج للتمور، وموقعها الإستراتيجي جعلها المدينة الاقتصادية الأولى في تلك الفترة.

ويؤكد أن موقع بيشة يجب أن يُستثمر مركزًا لوجستيًّا وصناعيًّا وتعدينيًّا، واقترح تحويلها إلى ميناء جاف يربط المنطقة الوسطى والشرقية بالمناطق الجنوبية والغربية، مستغلًّا طريق الرين-بيشة الذي يستخدمه سكان القنفذة وجازان والباحة ونجران. ويتساءل: كم وظيفة يمكن أن يولّدها هذا الميناء الجاف لو أُنشئت فيه مواقع للتحميل والتنزيل ومراكز توزيع لوجستي ومخازن تبريد ومستودعات ومحطة شاحنات؟

واليوم تعتبر بيشة وفق بعض الجيولوجيين من أهل المنطقة فرصة لمستقبل التعدين في السعودية، كما أنها مع اكتمال 99 مشروعًا للدواجن ستكون مصدرًا مهمًّا للأمن الغذائي. ميزة نسبية أخرى لا يعلمها كثيرون، وهي أنها أفضل موقع لإنتاج الطاقة الشمسية في السعودية، وقد تم تتويج ذلك بمشروع بيشة للطاقة الشمسية بقدرة تصل إلى 3000 ميجاوات — من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم.

ولكن أعود وأقول: إن بسبب الظروف المناخية وتراجع مستوى المياه الجوفية انخفضت الزراعة بشكل كبير، بعد أن كانت مصدر الدخل الأول لأكثر من 70% من سكان المحافظة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. حاول الأهالي مقاومة التغير المناخي بتغيير نمط الري وسقي الأراضي عبر الصهاريج، إلا أن التكلفة كانت أعلى من العائد، فاضطروا تدريجيًّا للتخلي عن الزراعة، وتحولت كثير من الأراضي إلى مخططات سكنية، وانتقل السكان إلى وسط المحافظة.

هذا التراجع دفع السكان إلى الانتقال إلى قطاعات أخرى مثل التجارة، أو الهجرة إلى الرياض وجدة بحثًا عن فرص عمل. لذلك أنا لست مع فكرة العودة للتركيز على الزراعة، بل اكتشاف مزايا أخرى -وهي كثيرة- والتركيز عليها لتوليد فرص عمل ومداخيل لسكان المحافظة وإبقائها جذابة للأجيال المقبلة كما كانت على الدوام.

اليوم يشهد القطاع السياحي والترفيهي نموًّا تدريجيًّا في المنطقة، خاصة مع وجود رالي داكار، واهتمام إمارة عسير بمشاريع حيوية في المحافظة مثل بناء أكبر مزرعة شمسية في العالم بعد الصين، ومشاريع حدائق متنوعة ومراكز ترفيه وتسوق متعددة. كما يجري تحويل الوجهات التاريخية إلى محطات جذب سياحي لزوار منطقة عسير مثل قلعة ابن شكبان وقصر ابن هتيل وغيرهما.

واقتصاديًّا، تساهم المحافظات السعودية مجتمعة بنحو 39.5% من الناتج المحلي الإجمالي السعودي، بينما تستحوذ المدن الكبرى على الـ60% المتبقية. عالميًّا، أثبتت التنمية المحلية فائدتها في تقليل البطالة، ومكافحة الفقر، وتحفيز الابتكار المحلي، حيث ترتبط اللامركزية المالية بنمو أعلى في نصيب الفرد من الناتج المحلي.

ومن هنا أدعو إلى تركيزٍ أكبر وأسرع على قطاعات جديدة توفر فرص عمل للسكان المحليين وتوفر مصادر دخل لرواد الأعمال ورجال الأعمال في المحافظات السعودية.

وأخيرًا، يقول أحد المتابعين: "إنَّ التطور الذي تشهده المحافظات مثل بيشة يفتح آفاقًا كبيرة في عالم الأعمال، والرهان اليوم على تجربة العميل وتصميم محال تجارية مبتكرة تليق بهذا الحراك الاقتصادي وتواكب التحول الملحوظ في المنطقة".

وأنا أشاركه الرأي، وأؤكد أن بيشة كغيرها من مدن السعودية مثل حائل وبريدة وجازان وأبها والأحساء والجوف ... قادرةٌ على إعادة اكتشاف نفسها ومزاياها النسبية. وهي اليوم على هذا الطريق، كبقية مدن السعودية التي تنعم بتنمية شاملة ومتوازنة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية