مايك دولان
على مدى أكثر من عامين، نجحت طفرة الذكاء الاصطناعي في كبح مخاوف الأسواق. لكن أكتوبر يشير إلى أن هذا الدرع الواقي بدأ يتصدع. فقد كشفت الاضطرابات التي شهدها القطاع الأسبوع الماضي عن استعداد المستثمرين لعالم لم تعد فيه حالة النشوة بقطاع التكنولوجيا قادرة على طمس المؤشرات الاقتصادية الكلية الأخرى.
وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية قصة الذكاء الاصطناعي، لكنه يشير إلى نهج أكثر انتقائية داخل القطاع؛ مع تباطؤ معدلات النمو المتسارعة، ونضوج عمليات التطوير، ووصول التوازن بين تكاليف الحوسبة والإيرادات إلى مرحلة أكثر استدامة.غير أن أي خلل في جزء واحد من هذا النظام البيئي -الذي يزداد ترابطاً وتداخلاً في التمويل- يمكن أن ينتشر بسرعة ليؤثر في المؤشرات العامة وفئات الأصول الأخرى.
وقد ظهر أوضح دليل على ذلك الأسبوع الماضي، حين انفصلت حركة السندات الحكومية فجأة عن مسارات أسعار النفط المتصاعدة، وتوقعات رفع أسعار الفائدة، والمخاوف المتعلقة بالديون؛ إذ شهدت السندات طلباً قوياً من مستثمرين يسعون للتحوط ضد التداعيات الاقتصادية لأي تباطؤ أو تعثر في قطاع الذكاء الاصطناعي.وفي حين ساعد نمو الأرباح -المدعوم بقطاع الذكاء الاصطناعي- على حماية أسواق الأسهم الأمريكية من ارتفاع تكاليف الاقتراض طوال العام، يبدو أن هذه الحماية قد وصلت الآن إلى نهايتها المنطقية.
هل يمكن اعتبار هذا ذروة "رهان الذكاء الاصطناعي"؟
كتب فريق "سوسيتيه جنرال": "هذه الحساسية السلبية المتزايدة تجاه أسعار الفائدة وضعت السوق في حالة توازن هشة؛ حيث أصبح أي ارتفاع إضافي في العوائد يمثل عقبة متزايدة أمام أسواق الأسهم". ذكر بنك "سوسيتيه جنرال" (SocGen) أن التقلبات الضمنية لمؤشرات الأسهم -كما يقيسها "مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو" (VIX)- قد استيقظت من سباتها وسط ما أسماه "انهياراً في كبح التقلبات".
وقد أدت الأحداث التي شهدها هذا الشهر إلى إرباك الكثيرين في أوساط صناديق التحوط. فقد أظهرت بيانات رصد من بنك "جولدمان ساكس" أن صناديق التحوط المنهجية التي تعتمد إستراتيجيات "الشراء والبيع على المكشوف" (long-short) -التي تستخدم خوارزميات تتبع اتجاهات السوق حتى نهايتها- قد تكبدت أسوأ أسبوع لها منذ بداية عام 2024، مسجلة تراجعاً بنسبة 2%.
نظرة فاحصة على الآليات الداخلية
لفهم ما يجري، ينبغي النظر إلى مؤشر "VIX" ومؤشراته الفرعية، وما تكشف عنه بشأن مخاطر السوق وكيفية استخدام المتداولين المضاربين لها. ورغم أن مؤشر "VIX" ارتفع خلال الأسبوعين الماضيين -مع تعرض الأسهم لضغوط بسبب المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وتزامن ذلك مع صعود قوي في أسواق السندات- إلا أنه لا يزال في حالة أشبه بالسبات عند النظر إلى الصورة الأوسع؛ إذ يبلغ مستواه حالياً نصف ما كان عليه تقريباً في أعقاب اندلاع الحرب مع إيران قبل 8 أشهر، كما أنه يظل دون متوسطه التاريخي.
ونظراً لأن مؤشر "VIX" يُستخدم كمتغير رئيسي للإشارة إلى وجود اضطرابات في أسواق الأسهم بشكل عام وفي المحافظ الاستثمارية المتنوعة الأصول، فإن الهيئات التنظيمية والبنوك المركزية تبدي قلقها من أن هذا المؤشر قد يقلل من تقدير حجم المخاطر المتراكمة.ويشير هؤلاء إلى صفقات "كبح التقلبات" التي سلط بنك "سوسيتيه جنرال" الضوء عليها.
تُنفذ هذه الصفقات المربحة باستخدام الرافعة المالية وأحجام تداول ضخمة، وتتضمن عادةً بيع عقود خيارات أو اتخاذ مراكز "بيع على المكشوف" (shorting) في مؤشرات التقلب الضمني، وذلك للاستفادة من الفارق الإيجابي المعتاد بين التقلب الضمني والتقلب الفعلي. وهذه الصفقات -على غرار ما يُعرف بـ "صفقات الأساس" (basis trades) التي تجريها صناديق التحوط في أسواق سندات الخزانة- لا تمثل رهانات على اتجاه أسعار الأصول الأساسية، بل هي وسيلة لاستغلال فروق الأسعار المستمرة (المراجحة).
وتعتمد إحدى هذه الإستراتيجيات على المراهنة على ارتفاع التقلبات في أسهم فردية مع بيع عقود خيارات على المؤشر العام؛ استناداً إلى فكرة أن الأسهم الفردية قد تشهد تقلبات حادة، بينما تظل حركة المؤشر ككل أكثر استقراراً.وتكمن المشكلة في جانبين -وهو سيناريو تكرر حدوثه مراراً في الماضي-: أولاً، تعمل هذه الإستراتيجيات بكفاءة عالية حتى تقع أحداث غير متوقعة تؤدي إلى تفكيك مفاجئ وحاد لصفقات التقلب ذاتها، مما يدفع تقلبات المؤشر إلى مستويات تتجاوز بكثير ما قد يبرره الحدث الأصلي.
ونظراً لأن مقاييس تقلب المؤشرات تُستخدم ضمن نماذج تقييم المخاطر في مختلف أسواق الأصول العالمية، فإن مثل هذا التفكيك المفاجئ يمكن أن ينقل موجات الصدمة إلى كل مكان. رغم صعوبة التنبؤ بنقاط التحول، إلا أن الوضع الحالي يُنذر بتفاقم الصدمات في الوقت الذي بدأ فيه زخم أرباح الذكاء الاصطناعي بالتراجع.
وظلت أحدث توقعات مورغان ستانلي بشأن سوق الذكاء الاصطناعي خلال عطلة نهاية الأسبوع متفائلة بشأن هذا الازدهار، إذ توقعت زيادة أخرى بنسبة 50% في إجمالي الإنفاق الاستثماري على الذكاء الاصطناعي في 2027. لكنها أشارت أيضًا إلى أن ارتفاع تكلفة رأس المال سيؤثر في أجزاء أكثر انتقائية وذات رافعة مالية عالية من شبكة الذكاء الاصطناعي، ما قد يُؤدي إلى مزيد من التقلبات.
وقالت: "مع نضوج دورة رأس مال الذكاء الاصطناعي، ستزداد أهمية جودة الائتمان والضمانات والهيكل، لا العكس. سيكون رأس المال متوفرًا، لكن بشروط مختلفة بشكل متزايد لمختلف المقترضين".
على الرغم من أن إجمالي ديون الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يتراجع أداؤها هذا العام عن مؤشرات الائتمان ذات التصنيف الاستثماري بنحو 35 نقطة أساس، إلا أن ذلك يخفي تضاعفًا شبه ثلاثي في تباين أسعار أسهم شركات الذكاء الاصطناعي ليصل إلى 65 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى في التاريخ الحديث. حتى مع استبعاد الشركات الشاذة مثل أوراكل، ارتفع التباين بنسبة 60%.
يبقى السؤال مطروحًا: هل تبرر كل هذه التغيرات الداخلية انخفاض تقلبات المؤشر؟ لا سيما مع تزايد المخاطر غير المتعلقة بالذكاء الاصطناعي مع اقتراب نهاية العام، نتيجةً لجدول الانتخابات المزدحم، والصراع الإيراني، وتوقعات الطاقة. هناك ما يكفي من الأحداث على جدول الأعمال لاختبار أعصاب المستثمرين. قد تكون الأسواق ببساطة غافلة عن مؤشرات الخطر.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز
