غابرييل ديممبينز ويورغ لانغبين ومايكل ويبر
حتى وقت قريب، واجه الباحثون الذين يدرسون تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل عقبة أساسية. فبدون وجود بيانات فعلية للاستخدام، كان عليهم الاعتماد على مقاييس نظرية لمعدلات "التعرض لتقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي"، حيث تمثل هذه المعدلات تقديرات تُظهر مدى تأثر المهن المختلفة بالتأثيرات التحويلية التي يحدثها الذكاء الاصطناعي. وقد ناقشنا تلك الدراسات في أعمالنا السابقة حول التعرض للذكاء الاصطناعي في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
لكن ظل هناك سؤالٌ بالغ الأهمية لم تتم الإجابة عنه: هل تتوافق توقعات التعرض بالنسبة لهذه الوظائف مع كيفية استخدام الأشخاص للذكاء الاصطناعي في الواقع العملي؟
التنبؤات تنجح إلى حد كبير في فهم الواقع بشكل صحيح
أعلنت شركة أنثروبيك Anthropic أخيرا اً عن إصدار بيانات استخدام دون الإفصاح عن هوية المستخدم. هذه البيانات مأخوذة من عينة محادثات جرت باستخدام نظام كلود خلال أسبوع واحد في نوفمبر 2025، وتم تصنيفها حسب نوع المهمة عبر نظام O*NET، وهو نظام أمريكي لتصنيف المهام وربطها بالمهن. وقد ربطنا هذه البيانات بالمهن والبلدان لمقارنة مدى التعرض المتوقع للذكاء الاصطناعي مع أنماط الاعتماد الفعلية.
تشير أبرز النتائج إلى أن مؤشرات التعرض أثبتت أنها أدوات دقيقة بدرجة ملحوظة لتوقع الاعتماد الفعلي على الذكاء الاصطناعي في الواقع العملي. وأظهرت المهن ذات مستوى التعرض المنخفض بحسب التنبؤات معدلات استخدام متدنية بشكل عام، بينما سجلت المهن ذات التعرض المرتفع معدلات استخدام مرتفعة. وشهد عدد قليل للغاية من المهن وقوعها في الفئات غير المتوافقة من حيث معدلات التعرض المرتفعة والاستخدام المنخفض، أو العكس.
كما أظهرت الدراسة المتعمقة أن العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يتصدرون قائمة المستخدمين من حيث التعرض لتقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها. ويبدو أن هذا منطقي من الناحية البديهية، إذ يتمتع العاملون في هذا المجال بقدرة أفضل على الوصول إلى البنية التحتية التكنولوجية ويحققون زيادة فورية في الإنتاجية بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي.
أما الفجوة بين المديرين فكانت أكثر إثارة للدهشة؛ فقد اتضح أن المناصب الإدارية العليا تتميز بتعرض كبير لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن استخدامها كان منخفضاً نسبياً. وقد تلعب عدة عوامل دوراً في ذلك: مثل المخاوف حول الخصوصية المتعلقة بالقرارات الحساسة المتعلقة بأنشطة الأعمال، أو القيود الزمنية التي تحد من التجريب، أو الثقافات التنظيمية التي لم تعمم فيها بعد مسؤوليات الذكاء الاصطناعي.
وفهم أسباب عدم كون المديرين، الذين غالبا ما يتحكمون في قرارات اعتماد الذكاء الاصطناعي، مستخدمين نشطين لهذه التقنيات له أهمية بالغة لتوقع أنماط انتشار الذكاء الاصطناعي في المؤسسات.
فجوة عالمية عميقة
تكشف البيانات الإضافية من مؤشر استخدام الذكاء الاصطناعي لدى شركة أنثروبيك Anthropic عن مستوى كثافة استخدام نظام كلود في البلدان بالنسبة إلى حجم السكان في سن العمل. وتشير القيمة التي تزيد على واحد إلى أن البلد يستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر من المتوقع وفقاً لحجم السكان في سن العمل، بينما تعكس القيمة التي تقل عن واحد ضعف استخدام الذكاء الاصطناعي مقارنة بالتوقعات بناءً على حجم السكان.
وقد سجلت البلدان مرتفعة الدخل وحدها قيماً أعلى من واحد، بمتوسط بلغ 2.02، في حين إن بقية مجموعات البلدان جميعها انخفضت دون هذا الرقم. ويبلغ متوسط استخدام الذكاء الاصطناعي في البلدان مرتفعة الدخل أربعة أضعاف استخدام البلدان متوسطة الدخل، كما أنها الوحيدة التي تجاوزت المعيار العالمي الخاص بنصيب الفرد من الاستخدام.
خبراء في شؤون رأس المال البشري والتوظيف ـ البنك الدولي
