الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

في خضم واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات، قدّم الاقتصاد السعودي، ومعه اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، نموذجًا لافتًا في القدرة على امتصاص الصدمات، مستندًا إلى أسس متينة بُنيت عبر عقد من الإصلاحات الطموحة.

ورغم تقارير دولية تحذر من تداعيات طويلة الأمد على اقتصادات المنطقة جراء الصراع مع إيران، فإن التباين في درجة الصمود بين دول الخليج يضع المملكة في موقع أكثر تميزًا مقارنة بجيرانها.

 فبينما خفّض البنك الدولي توقعاته لنمو الشرق الأوسط إلى 1.8% هذا العام، بعدما كان متوقعًا عند 4%، أظهرت السعودية مرونة لافتة تعود أساسًا إلى امتلاكها منافذ تصدير نفطية لا تمر عبر مضيق هرمز، الذي كان يُستخدم لنحو 20% من تدفقات النفط والغاز المسال العالمية.

على الصعيد التشغيلي، نجحت أرامكو في تحويل مسار جزء كبير من صادراتها النفطية عبر خط أنابيب الشرق-الغرب نحو ميناء ينبع، بطاقة استيعابية بلغت 7 ملايين برميل يوميًا، ما مكّن المملكة من مواصلة التصدير بمعدل 5 ملايين برميل يوميًا رغم إغلاق المضيق.

والأهم أن ارتفاع أسعار النفط العالمية عوّض، بل تجاوز في أحيان كثيرة، أثر تراجع أحجام التصدير، ما ولّد وفق صندوق النقد الدولي فائضًا إيراديًا نفطيًا غير متوقع منح الحكومة هامش مناورة مالية إضافيًا. وتعكس تقييمات وكالات التصنيف الائتماني العالمية هذه الصورة بوضوح؛ إذ أكدت "فيتش" مطلع 2026 تصنيف المملكة عند "A+" بنظرة مستقرة، بينما تحتفظ "موديز" بتصنيف "Aa3"، وتمنحها "ستاندرد آند بورز" تصنيف "A" بنظرة مستقرة، لتضعها ضمن أعلى الاقتصادات الناشئة تصنيفًا ائتمانيًا في العالم.

ويبرز القطاع المصرفي السعودي كأحد أكثر القطاعات متانة إقليميًا وعالميًا، بمعدل كفاية رأسمالية بلغ نحو 20.5%، وتراجع القروض المتعثرة إلى 1% فقط، وهو أدنى مستوى منذ عقد كامل.

 كما تجاوزت الاحتياطيات الأجنبية للمملكة 436 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 14 شهرًا من الواردات، إلى جانب أصول ضخمة يديرها صندوق الاستثمارات العامة، ومستوى دين حكومي لا يزال منخفضًا نسبيًا مقارنة بمعظم الاقتصادات الناشئة.

وعلى صعيد التنافسية العالمية، أعلن المعهد الدولي لتطوير الإدارة (IMD) في يونيو 2026 تقدّم المملكة 4 مراكز لتحتل المرتبة الـ13 عالميًا من بين 70 اقتصادًا، محققةً المرتبة الأولى عالميًا في مؤشرات نمو صادرات الخدمات التجارية والقطاع المصرفي والمالي والأمن السيبراني.

ويعكس عدد المعارض والمؤتمرات الدولية التي تستضيفها المملكة خلال 2026 حجم الاهتمام الاستثماري واستقطاب رؤوس الأموال من مختلف دول العالم. فمؤتمر "LEAP" للتقنية، في نسخته الخامسة بالرياض في أبريل 2026، استقطب وحده أكثر من 201 ألف زائر، و1,900 مستثمر عالمي، و600 شركة ناشئة، بعد أن سجّلت نسخته السابقة صفقات بقيمة 14.9 مليار دولار وأثرًا اقتصاديًا بلغ 820 مليون دولار.

ومنذ انطلاقه 2022، استقطب المؤتمر أكثر من 688 ألف مشارك و6,200 شركة و5,000 مستثمر. وإلى جانب "LEAP"، يشهد التقويم السعودي لعام 2026 عشرات الفعاليات المتخصصة في قطاعات البناء والصناعة والطاقة والتجزئة، ما يجعل من المملكة منصة استقطاب متجددة للمستثمرين على مدار العام.

ومع مرور 10 سنوات على إطلاقها، تحولت رؤية 2030 إلى واقع ملموس تجلى في ارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل، وتوسع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، وتراجع الاعتماد على عائدات النفط في تمويل الموازنة، فيما واصل الاقتصاد غير النفطي نموه الإيجابي، مع عودة مؤشرات مديري المشتريات إلى منطقة التوسع بين أبريل ويونيو 2026.

وقد أطلق صندوق الاستثمارات العامة إستراتيجيته المحدّثة للفترة 2026-2030، معتمدًا نهجًا أكثر انتقائية في تخصيص رأس المال وفاسحًا مجالًا أوسع لمشاركة القطاع الخاص.

أما على الصعيد التنظيمي، فقد كرّس نظام الاستثمار المحدّث لعام 2025 مبدأ المساواة التامة بين المستثمر المحلي والأجنبي، ووسّع خيارات فض المنازعات وحماية الملكية الفكرية، بينما جذب إدراج الصكوك الحكومية بالريال ضمن مؤشري جي بي مورغان وبلومبرغ للسندات الحكومية اهتمام المستثمرين المؤسسيين.

ويضاف إلى ذلك قوة ديموغرافية شابة يتجاوز عدد سكانها 35 مليون نسمة، ومشاريع عملاقة كنيوم والبحر الأحمر والقدية، واستضافة فعاليات عالمية كبرى كإكسبو 2030 وكأس العالم 2034، مع بقاء الموقع الجغرافي الرابط بين 3 قارات عاملًا تنافسيًا دائمًا.

كما بادرت دول الخليج إلى نشر أدوات مالية سريعة لدعم الشركات وتوفير السيولة اللازمة لاستمرار التجارة، فيما استفادت شركات النقل البري من فرص جديدة لنقل الإمدادات، مستفيدة من موانئ المنطقة الغربية في السعودية وموانئ عُمان خارج نطاق مضيق هرمز.

هذه المؤشرات مجتمعة لا تعني غياب التحديات، بل تؤكد قدرة السعودية ودول الخليج على مواجهتها من موقع قوة، إذ أثبتت الاستثمارات في التنويع الاقتصادي والاحتياطيات المالية والإصلاحات التنظيمية أنها كانت الرهان الصحيح، ما يجعل السوق السعودية أولًا والخليجية ثانيًا محط اهتمام متزايد من المستثمرين الباحثين عن استقرار نسبي وفرص نمو حقيقية في بيئة إقليمية شديدة التقلب.

مدير مركز رياميديا للاتصال والعلاقات العامة، مدير تحرير في عرب نيوز ومجلة المجلة اللندنية سابقا، ومستشارا إعلاميًا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية