كريستالينا جورجييفا
مما لا شك فيه أننا في صندوق النقد الدولي نولي اهتماما بالغا بكفاءة نظم المدفوعات، سواء داخل البلدان أو عبر الحدود.ونرحب كذلك بدور الابتكارات المالية التي توالت منذ ثمانينيات القرن الماضي في موجات متعاقبة أسهمت في إحداث تحسينات جوهرية في نظم المدفوعات المحلية من حيث السرعة واليسر والتكلفة، وكان لها أثر لافت في تعزيز المساواة، من خلال ما قدمته من منافع جمة للفقراء من الشعوب والبلدان.
ورغم ما أُحرز أيضا من تقدم في مجال المدفوعات الدولية، فإنه لا يزال يشهد تفاوتا؛ إذ تظل المعاملات في كثير من الحالات باهظة التكلفة وبالغة البطء.
لنواجه الأمر: من الصعب تسريع وتيرة التقدم في عالمنا المتشرذم؛ حيث يلزم أن تركز البنوك المركزية، في سياق التضخم المزمن، على استقرار الأسعار.
ومع ذلك، يظل تعزيز كفاءة المدفوعات الدولية هدفا جديرا بالسعي لسببين رئيسيين على الأقل:
- الأول: أن القيود على الصيرفة المراسلة وارتفاع تكلفة المعاملات تؤدي إلى تقليص المشاركة الاقتصادية للبلدان والشركات والأسر المتضررة وإمكانية تحويل مسار المدفوعات إلى قنوات غير رسمية.
- الثاني: في عالم قد تصبح فيه تجارة الخدمات الرقمية عبر الحدود بوابة المستقبل—ولعل الذكاء الاصطناعي خير مثال على ذلك—فمن شأن زيادة كفاءة المدفوعات الدولية أن تسهم في تعزيز آفاق النمو.
والخبر السار أن هناك مشروعات واعدة عديدة يجري تنفيذها حاليا لربط نظم المدفوعات الوطنية. ومن أمثلتها نظام التسوية الفورية للمدفوعات (TIPS)، وهو نظام رائد يديره البنك المركزي الأوروبي؛ ومشروع "نيكسوس" التابع لرابطة أمم جنوب شرق آسيا، بهيكله القائم على نظام المركز والأطراف؛ ونظام معاملات المقاصة على أساس فوري (TCIB) التابع للجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي، الذي يستهدف المعاملات الصغيرة؛ ومشروع "أجورا" (Project Agora) التابع لبنك التسويات الدولية، الذي يركز على الصيرفة المراسلة.
واليوم، نواجه سؤالا مهما: عما إذا كانت الابتكارات المالية في القطاع الخاص—وعلى رأسها تكنولوجيا دفاتر الحسابات الرقمية الموزعة—بمقدورها إحداث تحول نظامي في المدفوعات الدولية حول العالم.
لا نعرف الإجابة بعد على وجه اليقين— فلا تزال تكنولوجيا البلوك تشين أشبه بتجربة صغيرة داخل المنظومة العالمية الواسعة للمدفوعات. ولكن بإمكان تقنيات الترميز الرقمي والعملات المستقرة بالطبع—سواء لمزاياها الذاتية أو دورها في تشجيع المنافسة—أن تساعد على تعزيز "انسيابية" التمويل العالمي، في ظل ما تبشر به العملات الرقمية المستقرة على وجه الخصوص من سرعة تنفيذ المدفوعات الدولية مرتفعة القيمة وخفض تكلفتها.
ولا يزال من المبكر الجزم بما ستؤول إليه هذه التطورات، ولكن هناك حقيقة واضحة لا لبس فيها: ففي نظام مالي عالمي أكثر ديناميكية، تتسارع وتيرة انتقال المخاطر وتزداد كلفة أخطاء السياسات. ومن ثم، تصبح سلامة السياسات التنظيمية والاقتصادية الكلية أكثر أهمية.
وهذا ما أود التركيز عليه اليوم—متطلبات السياسات اللازمة للنجاح. وسأطرح في هذا السياق 3 حجج رئيسية:
- أولا: تتطلب تقنيات الترميز الرقمي والعملات المستقرة استجابة منسقة دوليا على مستوى السياسات التنظيمية—وهي مهمة شاقة في ظل التشرذم الجيوسياسي.
- ثانيا: قد تُفاقم العملات الرقمية المستقرة التحديات التي تواجه عديدا من اقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، ما يستدعي تعزيز الاحتياطيات الأجنبية الوقائية وإحكام انضباط السياسات.
- ثالثا: على الرغم من أن العملات الرقمية المستقرة قد تسهم في خفض تكلفة التمويل في عدد قليل من البلدان، فإنها لن تغني عن الحاجة إلى جهود مالية مضنية، بهدف تخفيف الضغوط عن البنوك المركزية للسماح لها بالتركيز على استقرار الأسعار.
لذلك، سأبدأ بالتنظيم المالي، حيث يتمثل التحدي الرئيسي في مواكبة الابتكار المالي وتفادي مخاطره، مع إفساح المجال في الوقت نفسه لازدهار التغيير الإيجابي وتعزيز المنافسة العادلة.
وتستدعي المخاطر الجديدة استجابات سريعة ومرنة. فمع استخدام تقنيات الترميز الرقمي في أتمتة طلبات تغطية حساب الهامش ووظائف المكاتب الخلفية، تتحول طبيعة المخاطر التشغيلية وتتقلص أزمنة الاستجابة.
ومع تسويق العملات المستقرة بوصفها بديلا للنقد على سلسلة الكتل، تصبح الثقة عاملا حاسما: الثقة في إمكانية استردادها بالقيمة الاسمية في جميع الظروف. ويستدعي ذلك فرض قواعد صارمة على مجمعات الاحتياطيات لضمان الأمان والسيولة، على أن تُنسَق هذه المتطلبات دوليا لدعم قيام فئة أصول موحدة معترف بها. ومن المهم أيضا ضمان تكافؤ الفرص، وهو ما يتطلب إخضاع الأدوات المالية المتطابقة للمعايير التنظيمية ذاتها، بما يحقق المنافسة العادلة ويقلص حوافز المراجحة التنظيمية.
والمنافسة مفيدة ما دامت حافزا للبنوك على الارتقاء بخدماتها. ولكنها ضارة إذا ساقت البنوك إلى مزيد من انعدام الشفافية، أو استنزفت قاعدة ودائعها ورفعت تكلفة تمويلها إلى حد إضعاف الائتمان على مستوى الاقتصاد ككل.ونظرا لأن البنوك تمثل الشريان الرئيسي لإقراض الأسر والمشروعات الصغيرة والمتوسطة—التي تستوعب بدورها شريحة كبيرة من القوى العاملة—ينبغي عدم الاستهانة بخطر تلاشي دور الوساطة المصرفية.
وأخيرا، أصبحت الأطر التنظيمية مفرطة التعقيد بحاجة إلى التحديث. فقد انتقل جانب كبير من النشاط المالي إلى القطاعات غير المصرفية التي تنعم بقيود تنظيمية مخففة. ومع تشديد إجراءات التصدي للتدفقات غير المشروعة، ارتفعت تكاليف المدفوعات الدولية في مناطق مثل الكاريبي والمحيط الهادئ. ونشأت نظم مدفوعات أصبح فيها حجب الهوية ومنع التتبع مزايا لا مساوئ.
ولتحقيق هذه الإمكانات، تتطلب هذه الخطة الطموحة تعاونا دوليا وثيقا بين الجهات التنظيمية—يشمل جمع البيانات وتبادلها؛ ومواءمة الأطر القانونية والتنظيمية الوطنية؛ وضمان قابلية التشغيل البيني لمختلف قنوات المدفوعات الدولية؛ والحد من مخاطر انتقال العدوى.
وهنا أنتقل إلى النقطة الثانية: كيف يمكن للاقتصادات الصاعدة والبلدان النامية اجتياز تعقيدات عالم أكثر ديناميكية وأقل تسامحا مع الأخطاء. فعلاوة على ما قد تسببه العملات المستقرة من إقصاء للبنوك عن دورها في مجال الوساطة المالية، فإنها قد تفضي أيضا إلى تحديات اقتصادية كلية إضافية: فيمكن استخدامها في التهرب الضريبي، ما يؤدي إلى تراجع الإيرادات الضريبية؛ كما قد تشجع على إحلال العملات، ما يعوق انتقال آثار السياسة النقدية؛ وقد تجعل الضوابط الرأسمالية أكثر قابلية للاختراق.
وإذا تحقق هذا الخطر الأخير، فإنه سيشكل تحديا خاصا لنحو ربع البلدان الأعضاء في صندوق النقد الدولي التي لا تزال تعتمد على ضوابط رأس المال كخط دفاع. ويزداد هذا التحدي وطأة في شريحة من البلدان الأعضاء لا تزال تلجأ إلى الكبح المالي لإجبار المدخرين المحليين على دعم الاقتراض الحكومي.
مدير عام صندوق النقد الدولي
