الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 26 مايو 2026 | 9 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

إيطاليا في أزمة هرمز .. الدبلوماسية والمهام البحرية والأمن الغذائي

أنطونيو تاياني
أنطونيو تاياني
الخميس 14 مايو 2026 18:7 |4 دقائق قراءة


أنطونيو تاياني

منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة، تحرّكت إيطاليا بالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين، ومجموعة السبع، والمنظمات متعددة الأطراف، من أجل الدفع نحو وقف الأعمال العدائية، وضمان إعادة فتح مضيق هرمز، واستعادة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، أبدت بلادنا استعدادها للمشاركة، عقب انتهاء النزاع، في تحالف دولي ذي طابع دفاعي يهدف إلى إعادة ضمان حرية الملاحة في المضيق.

وكما أوضحتُ يوم الأربعاء خلال مداخلتي أمام اللجنة المختصة في البرلمان الإيطالي، فإن إغلاق مضيق هرمز لا يمثل بالنسبة إلى حكومتنا مجرد أزمة إقليمية، بل يشكل صدمة عالمية من شأنها التأثير في أمن الطاقة، والتنافسية الصناعية، والتوازنات الاقتصادية الدولية. ويكتسب هذا الخطر أهمية خاصة بالنسبة إلى جميع دول المنطقة، وكذلك بالنسبة إلى دولة مصدّرة مثل إيطاليا، التي تمثل صادراتها نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي.

فمضيق هرمز، كما هو معلوم، يُعد محوراً إستراتيجياً للتجارة العالمية؛ إذ يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، وربع صادرات الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى حصة مهمة من المواد الأولية الضرورية لسلاسل الإنتاج الدولية. وقد بدأت حالة عدم أمن الطرق التجارية وارتفاع أسعار الطاقة تُحدث بالفعل آثاراً ملموسة في الأسر والشركات الأوروبية. وعلى الرغم من تباطؤ التجارة العالمية وتأثير الرسوم الجمركية، فقد سجّلت الصادرات الإيطالية في 2025 نمواً 3.3%، بما يؤكد مدى أهمية استقرار الطرق البحرية للاقتصاد الوطني.

غير أن ما يثير قلقنا لا يقتصر على الأثر الواقع في الصناعة الوطنية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى التداعيات المحتملة على الدول الأكثر هشاشة في إفريقيا ومنطقة المتوسط الموسّع. فمن خلال مضيق هرمز يمر نحو 30% من صادرات الأسمدة العالمية، وهي مواد أساسية للأمن الغذائي في عديد من الاقتصادات الضعيفة. وتُعد حالة السودان، حيث لا تزال إحدى أخطر الأزمات الإنسانية في العالم قائمة، مثالاً دالاً على ذلك. إذ أن ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة قد يؤدي إلى خفض الإنتاج الزراعي، وزيادة التضخم، وتفاقم عدم الاستقرار، والمجاعات، وتدفقات الهجرة نحو أوروبا.

ولهذا السبب، عقدنا في بداية  مايو اجتماعاً بالتعاون مع نظيري الكرواتي، الرئيس الدوري لمجموعة ميد-9، ودعونا 40 دولة من منطقة المتوسط والشرق الأوسط، من بينها السعودية، ودول البلقان، إضافة إلى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، وذلك لإطلاق “ائتلاف روما من أجل الأمن الغذائي والوصول إلى الأسمدة”، بوصفه منتدى دائماً لتحديد حلول فورية وعملية.

إن قراءتنا للأزمة في هرمز تقوم على أنها انعكاس لنزاع أوسع، متجذر في عقود من التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وفي هذا السياق، نواصل التأكيد على أن المسار الدبلوماسي يبقى الطريق الوحيد القابل للتطبيق، كما نؤكد مجدداً أن طهران لا يجوز أن تمتلك أسلحة نووية، ولا أنظمة صاروخية قادرة على زعزعة استقرار المنطقة بصورة أكبر.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، حافظتُ على تواصل مستمر مع صديقي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي التقيته في روما خلال الأيام الماضية. وقد اتفقنا على ضرورة الحفاظ على الرابط عبر الأطلسي، والعمل المشترك من أجل السلام والاستقرار الدوليين. كما أكدتُ دعمي للمفاوضات الجارية في باكستان، التي نعدها أساسية للإبقاء على أفق دبلوماسي مفتوح.

كما واصلتُ الحوار مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مؤكداً ضرورة أن تتفاوض طهران “بحسن نية”، وأن تستأنف تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع إعادة بناء علاقات إيجابية في الوقت ذاته مع دول الخليج.

وخلال الأسابيع الماضية، توجهتُ أيضاً إلى الصين للقاء وزير الخارجية وانج يي، حيث حثثته على اضطلاع بكين بدور أكثر فاعلية في الوساطة مع طهران. وبالتوازي مع ذلك، تحافظ روما على قناة اتصال مباشرة مع الشركاء الإقليميين في الخليج، ومن بينهم الرياض، باعتبارهم أطرافاً لا غنى عنها لأي حل دبلوماسي مستدام، ولإعادة ترسيخ حرية الملاحة مستقبلاً في المضيق.

أما على المستوى العملياتي، فإن إيطاليا مستعدة لوضع خبرتها المكتسبة في البعثات البحرية الأوروبية في البحر الأحمر، والمحيط الهندي، والبحر المتوسط تحت التصرف. ونرى على وجه الخصوص، ضرورة تعزيز مهمة “أسبيدس” الأوروبية، التي لا تشارك حالياً سوى إيطاليا واليونان في دوريات البحر الأحمر لضمان النقل البحري.

وفي إطار المهمة متعددة الأطراف التي ستُطلق في مضيق هرمز، يمكن لإيطاليا أن تسهم في عمليات إزالة الألغام، وفي تأمين الملاحة التجارية.

ومع ذلك، نرى أن تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط لا يمكن أن ينفصل عن استقرار لبنان.

وتدعم الحكومة الإيطالية الحوار بين إسرائيل وبيروت بوساطة الولايات المتحدة، كما عرضت استعدادها لاستضافة محادثات مباشرة بين الطرفين. وخلال الزيارة التي قمتُ بها إلى لبنان في أبريل الماضي، جددتُ للرئيس جوزيف عون دعم إيطاليا لمسار يحوّل الهدنة الحالية إلى عملية سلام حقيقية.

كما تنظر واشنطن وبروكسل إلى روما باعتبارها فاعلاً متزايد الأهمية في تعزيز مقومات الدولة في بيروت، وهو موضوع تناولته أيضاً خلال لقائي الأخير في وزارة الخارجية الإيطالية مع وزير الخارجية اللبناني.

كما نحافظ على مستوى عالٍ من الاهتمام بأمن عسكريينا المشاركين في بعثة اليونيفيل، والبعثة الثنائية “ميبيل”، واللجنة العسكرية التقنية الخاصة بلبنان ذات القيادة الإيطالية. وفي الوقت نفسه، لن نتوقف عن المطالبة بحماية المجتمعات المسيحية في البلاد، بعد أعمال العنف التي ارتكبها مستوطنون إسرائيليون متطرفون ضد قرى في جنوب لبنان، بما في ذلك قرى ذات أغلبية مسيحية.

وقد جرى تناول موضوع عنف المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين أيضاً في بروكسل، حيث وافقنا، نحن وزراء الدول الأوروبية، على فرض عقوبات جديدة ومشددة بحقهم. وفي الجلسة نفسها، أقررنا عقوبات إضافية ضد إرهابيي حركة حماس، التي لا يزال نزع سلاحها أولوية مطلقة. وتواصل إيطاليا متابعة الوضع في غزة والأراضي الفلسطينية باهتمام، مع الحفاظ على دور نشط في المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار المستقبلية، بهدف الوصول إلى دولتين قادرتين على التعايش في سلام وأمن.

وفي هذا السياق يندرج أيضاً وصول 72 طالباً فلسطينياً إلى إيطاليا خلال هذه الأيام، وهم من الحاصلين على منح دراسية في الجامعات الإيطالية؛ وهو استثمار نعدّه جزءاً من إعداد الطبقة القيادية الفلسطينية المستقبلية.

وزير الخارجية الإيطالية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية