رغم أن إغلاق إيران مضيق هرمز أحد أهم ممرات النفط في العالم وضع الولايات المتحدة في مأزق سياسي جعلها تطالب علناً على لسان الرئيس الأمريكي بأن تفتح المضيق "اللعين" على حد وصفه وإلا فإنه سيمحو الحضارة الإيرانية وسيجعلها تعود إلى العصر الحجري، ورغم تأثير هذا الإغلاق في كافة أركان الاقتصاد العالمي، ما قاد أسعار النفط والوقود إلى الارتفاع إلى مستويات قياسية لم يشهدها العالم منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، إلا أن الولايات المتحدة كانت من أكثر المستفيدين اقتصادياً رغم اكتواء المواطن الأمريكي بنيران زيادة تكلفة تعبئة سيارته وشاحنته للوقود وسعر تذكرته للسفر عبر خطوط الطيران الأمريكية والعالمية، كما أنه بلا شك شعر بارتفاع نسب التضخم في المواد الغذائية والاستهلاكية الأخرى.
لقد تحول هذا الإغلاق إلى دفعة اقتصادية ملموسة للاقتصاد الأمريكي، خاصة قطاع الطاقة في وقت تؤكد فيه واشنطن استقلاليتها في مجال الطاقة. فالمضيق الذي يمر عبره نحو 20-21 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات البترولية، أي ما يعادل نحو 20% من استهلاك النفط العالمي السائل وأكثر من ربع التجارة البحرية للنفط لا تعتمد عليه الولايات المتحدة إلا بشكل ضئيل جداً.
في 2024 استوردت نحو 0.5 مليون برميل يومياً من الخام والمكثفات من دول الخليج عبر هرمز، وهو ما يمثل نحو 7% فقط من إجمالي وارداتها الخام و2% من استهلاكها الكلي للسوائل البترولية.
ومنذ 2020 أصبحت الولايات المتحدة مصدراً صافياً للمنتجات البترولية بما فيها الخام والمنتجات المكررة وفي 2025 بلغت الصادرات نحو 10.7 مليون برميل يومياً مقابل واردات 7.9 مليون بفائض نحو 2.8 مليون برميل يومياً.
الإنتاج الأمريكي تجاوز حاجز 13.5 مليون برميل يومياً في بعض الفترات، مدعوماً بثورة النفط الصخري التي تستفيد من نقص المعروض الذي خلفه إغلاق المضيق فزادت أنشطته وانتعشت عمليات الحفر والإنتاج مدفوعة بالرغبة في تعظيم أرباح الشركات من ارتفاع الأسعار ونسب هوامش الربح.
هذا الوضع يجعل أمريكا في منأى نسبي عن صدمات الإمداد، بينما تعاني الدول المنافسة. الصين وأوروبا واليابان التي تعتمد بشكل كبير على واردات الخليج تواجه ارتفاعاً حاداً في التكاليف، ما يضعف قدرتها التنافسية الصناعية.
مع إغلاق المضيق قفزت أسعار النفط بشكل ملحوظ ووصل خام برنت إلى مستويات تجاوزت الثلاث خانات أو 100 دولار للبرميل وهو يترجم مباشرة إلى أرباح للشركات الأمريكية التي تُعد من اللاعبين الرئيسيين في قطاع الطاقة.
الرئيس الأمريكي صرح في غير مرة بأن على ناقلات النفط أن تتوجه إلى أمريكا لحمل النفط الجاهز والآمن والوفير، ساعياً إلى تعزيز مكانة الولايات المتحدة في سوق النفط العالمية.
بدورهم المنتجون الأمريكيون لا يهرعون لزيادة الإنتاج بشكل جنوني بل يستغلون الأسعار المرتفعة لتحسين الهوامش وسداد الديون وتوزيع أرباح على المساهمين. النفط الصخري يمكنه إضافة مئات الآلاف من البراميل تدريجياً، لكنه لا يحتاج إلى استبدال الإمدادات المفقودة فوراً بل لعل الأصح ليس من مصلحته حيث تبقى الفجوة بين العرض والطلب تدعم ارتفاعات الأسعار وزيادة الأرباح التي يعتمد عليها منتجو النفط. أما الصين أكبر مستورد للنفط في العالم فتواجه ضغوطاً أكبر على اقتصادها الصناعي.
أوروبا، التي تعاني أصلاً أزمات طاقة تشهد ارتفاعاً في تكاليف الوقود والتصنيع. أما أمريكا فتصدر نفطاً وغازاً مسالاً بأسعار أعلى، ما يعزز ميزانها التجاري ويقلل من عجزها.
الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي يوفر طبقة إضافية من الأمان للأمريكان رغم أنه لم يُستخدم بشكل واسع هنا، الولايات المتحدة تستطيع الانتظار، بينما يدفع الآخرون ثمن الاضطراب.
الإدارة الأمريكية تدرك جيداً أن إعادة الفتح السريع قد تؤدي إلى انهيار الأسعار وخسارة المكاسب الحالية. أما الاستمرار النسبي للإغلاق فيعزز الإيرادات التي تدر مليارات الدولارات الإضافية لقطاع الطاقة وتمنح آلاف الوظائف في الصناعة النفطية ويقوي موقفها التفاوضي حيث يزداد الضغط على الخصوم الجيوسياسيين كما يشجع الاستثمار في الصناعة النفطية والطاقة المحلية والتكنولوجيا.
بالطبع هناك تكاليف، فارتفاع أسعار البنزين محلياً وتأثير تضخمي ملموس في حياة المواطن الأمريكي، ولكن مع كون أمريكا منتجاً رئيسياً، فإن الفوائد تفوق المخاطر للاقتصاد ككل، خاصة أن الاستهلاك المحلي يمتص جزءاً من الارتفاع عبر الإنتاج المحلي.
ولعلي أختم بالقول إن إغلاق هرمز ليس كارثة عالمية بالنسبة لواشنطن، إنه إعادة توزيع للقوة الاقتصادية بينما يعاني المستوردون الآسيويون والأوروبيون نقص الإمدادات وارتفاع التكاليف، فأمريكا تستفيد من أسعار مرتفعة تدعم إنتاجها المحلي وصادراتها وهذا ما يفسر لماذا لا تبدو الولايات المتحدة متحمسة للحلول السريعة.
اقتصاديا هذه لعبة محصلتها صفر للولايات المتحدة في أسوأ الأحوال وإيجابية لأمريكا في أحسنها، في عالم الطاقة من يملك الإنتاج والمرونة يفوز، وأمريكا تملك كليهما اليوم أكثر من أي وقت مضى. السؤال المطروح الآن إلى متى ستستمر هذه اللعبة الاستراتيجية ومن سيتنازل أولاً؟ الإجابة، حتى الآن، تبدو واضحة من الجانب الأمريكي.
خبير استرايجي في شؤون الطاقة
