محمد كركوتي
بعد التباطؤ الذي بدأ التحذير من وصوله إلى الاقتصاد العالمي، واستعداد البنوك المركزية الرئيسة لتثبيت مستويات الفائدة، خوفاً من استفحال التضخم.. هناك جانب مخيف آخر يتعلق بموجة الإفلاس التي أصابت بالفعل نسبة من الشركات حول العالم، بفعل المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. العالم يستذكر بالطبع هذه الموجة التي ضربت بفعل جائحة "كورونا" مطلع العقد الحالي، والأخرى الهائلة التي امتدت في اليوم الأول لانفجار الأزمة الاقتصادية العالمية العام 2008.
التحذيرات تتوالى من الاضطراب الناجم عن المواجهة حتى الآن، من جهة الطاقة وسلاسل التوريد، والشحن، وبالطبع التضخم المتحفز، ما قد يرفع بالتدريج موجة الإفلاس، خصوصاً إذا ما استمر الوضع في الشرق الأوسط على ما هو عليه لمدة أطول.
وموجة الإفلاس الجديدة، لن تتوقف عند حدود العام الحالي، بل ستنتقل إلى العام المقبل، ما سيرفع الضغوط على معظم الاقتصادات، التي تعاني أصلاً حالة عدم اليقين، في مرحلة التعافي الحساسة من تأثيرات الأزمات الاقتصادية التي ظهرت مطلع العقد الحالي. فالإفلاس عموماً، يعني إضافة أعباء كبيرة إلى ماليات الدول المعنية، وهي (في معظمها) تقاوم من أجل الوصول إلى مستويات (ولو متواضعة) لموازناتها العامة.
فالذي سيحدث، مزيدٌ من الاقتراض الحكومي الذي فاق في بعض الدول الكبرى حجم ناتجها المحلي الإجمالي، وكثير من الضبابية في الأسواق، إلى جانب المصاعب المحلية المتعلقة بالخدمات المختلفة. على هذا الأساس، لا أحد يريد أن يرى مرة أخرى، حالات الإفلاس السابقة، حتى وإن كانت أقل وطأة.
التوقعات مخيفة بالفعل. فإفلاس الشركات العالمية سيشهد زيادة كبيرة في العامين المقبلين على الأقل، أي أن هناك احتمال للاستمرار حتى العام 2028، وقدرت بنحو 6% في السنة الحالية، علماً بأن هذا المستوى مواز لما كان عليه في 2015، لكن مع استمرار تداعيات المواجهة في المنطقة، لا شيء سيكون مضموناً في هذا الميدان الحساس.
وإذا ما جمعنا هذه الحالات للعام الحالي والمقبل، فقد تصل بسهولة إلى 15 ألف حالة. ومرة أخرى، إذا طال أمد المواجهة، لن يكون غريباً أن ترتفع مستويات إفلاس الشركات بنسبة 10%، خصوصاً في الساحتين الأمريكية والأوروبية. فهذه الأخيرة، تعد الأكثر تضرراً من الأوضاع بشكل عام، وهي تمر بمرحلة اقتصادية معقدة.
ماذا يعني هذا أيضاً؟ تعرض الوظائف لمزيد من المخاطر، إلى درجة أن أوروبا قد تشهد هذا العام، فقدان 202 ألف وظيفة بحسب شركة "أليانز تريد"، المتخصصة في التأمين الخاص بالائتمان التجاري.
الساحة مضطربة، وستظل كذلك، حتى تتضح صورة الموقف في المنطقة، ولا يمكن أن تتم الوقاية من أي أضرار اقتصادية، إلا بتقليل معدلات الاضطراب الحاصل، والأهم، التوصل إلى نهاية واضحة أيضاً لهذه المواجهة التي أقلقت العالم ولا تزال.
كاتب اقتصادي
