محمد كركوتي
رغم أن رئيس الوزراء البريطاني المتوج آندي بيرنهام، هو ابن حزب العمال الحاكم، في فترتي توني بلير وجوردون براون، إلا أنه ظل بعيداً لعشر سنوات على الأقل، عن دائرة صنع القرار في لندن، كان خلالها عمدة مانشستر الكبرى، التي أظهر فيها قدرة فائقة على النجاح. غير أن النجاح في الأطراف لا يضمن النجاح في المركز، وإن اكتسب بيرنهام خبرة لا بأس بها. حتى اليوم لا أحد يستطيع أن يجزم أين يقف رئيس الوزراء الذي نجح بالتزكية. هل هو في وسط الحزب أم على يساره. هو بالتأكيد ليس على يمينه، نظراً لآرائه ومواقفه المعروفة بهذا الخصوص. وهو طالما اعتقد أن فترة رئيس الوزراء البريطانية المحافظة مارجريت ثاتشر، كانت وبالاً على البلاد، ولاسيما من جهة خصصت ما أمكن لها من مؤسسات وخدمات عامة.
لا شك أن بيرنهام رئيساً للوزراء، سيكون مختلفاً عن بيرنهام عمدة لبلدية كبرى. هناك مهام ليست حساسة فحسب، بل خطيرة أيضاً، في مقدمتها كيفية التعاطي مع الوضع الاقتصادي الهش على المستوى الوطني، فضلاً عن مستقبل علاقة بلاده والاتحاد الأوروبي، إلى جانب سلسلة من القضايا الخارجية المعقدة جداً، خصوصاً في ظل وجود إدارة أمريكية بقيادة دونالد ترمب. ناهيك طبعاً عن تفاقم الوضع حالياً في الشرق الأوسط، ومستقبل الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا، ووضعية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مع تراجع الدور الأمريكي فيه، وغير ذلك من مسائل، كان سلفه كير ستارمر، يتعاطى معها بأعلى مستوى من الدبلوماسية والحنكة السياسية، حتى أن الأخير تسبب بخروجه من "داوننيج ستريت" بموجة حزن معلنة في أوساط القيادات العالمية المؤثرة، ولا سيما الأوروبية منها.
السؤال الأهم، أين يقف آندي بيرنهام؟ هل يبقى طويلاً على يسار الوسط، كما هو غالباً حالياً؟ أم أنه سيتجه أكثر نحو اليسار، مع إشارات واضحة منه، بإعادة تأميم بعض المؤسسات التي تخلت عنها حكومة الراحلة ثاتشر. وهذه النقطة تعد من النقاط الأكثر حساسية. فالذي دفع بحزب العمال إلى الحكم مع توني بلير، هو أن الأخير تمكن من نزع بند أساسي (البند الرابع) في دستور حزب العمال، الذي يحتم على أن تكون وسائل الإنتاج والخدمات بأيدي الدولة. أنشأ بلير ما بات يعرف بـالطريق السياسي الثالث، أي لا يسار ولا يمين، ولا وسط هذا ولا وسط ذاك. وحقق الأخير أكبر أغلبية برلمانية في تاريخ المملكة المتحدة، حتى أن الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون، قال صراحة، إنه يتعلم من خط بلير السياسي.
لا نعرف حتى اللحظة مدى سيطرة اتحاد نقابات العمال على بيرنهام، بالرغم من أن هذا الاتحاد لم يعد قوياً، منذ أن سحب توني بلير كثيراً من قوته في تسعينات القرن الماضي. لكن إذا ما عاد هذا الاتحاد للتأثير مجدداً، فإن حكومة العمال الجديدة، ستدخل في دائرة الأفول. صحيح أن الناس تريد تغيير حياتها للأفضل، لكن الصحيح، أن "ديكتاتورية" نقابات العمال، جلبت فوضى إدارية واجتماعية كبيرة على مدى عقود من الزمن. كما أضعفت مكانة بريطانيا المالية على الساحة الدولية. على أندي بيرنهام، أن يبقى في الوسط، ولا بأس إن اتجه قليلاً (وليس كثيراً) نحو اليسار، خصوصاً في الفترة الأولى من حكمه كمتوج بلا انتخابات عامة.
