مع انطلاق دورة تشديد السياسة النقدية الأمريكية، تواجه الأسواق الآسيوية رياحاً معاكسة قوية، إلا أن التأثير الهيكلي سيختلف بشكل حاد باختلاف الدول والقطاعات.
أعلن كيفن وارش، المسؤول في الاحتياطي الفيدرالي، في 16 سبتمبر أن البنك المركزي الأمريكي سيرفع سعر الفائدة القياسي بمقدار 25 نقطة أساس. ولكن الأهم من ذلك، أشار الاحتياطي الفيدرالي إلى احتمالية إجراء زيادات أخرى للمساعدة في مكافحة التضخم الذي ظل أعلى من المستهدف البالغ 2% لأكثر من 5 سنوات. وتشير آراء مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي -الموضحة فيما يُعرف بـ "مخطط النقاط" إلى احتمالية رفع أسعار الفائدة مرة أخرى هذا العام. وفي الوقت نفسه، تتوقع الأسواق ما يصل إلى 3 زيادات أخرى في أسعار الفائدة بحلول منتصف العام المقبل.
ومن المتوقع أن يؤثر هذا التحول نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً على الاقتصادات والأسواق المالية الآسيوية عبر عدة قنوات مترابطة، بما في ذلك تحفيز تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج، وإضعاف العملات المحلية، وزيادة الضغوط التضخمية.غير أن هذه التأثيرات لن تكون متماثلة في جميع أنحاء المنطقة.
أزمة رؤوس الأموال
يمكن أن تجذب عوائد السندات الأمريكية المرتفعة المستثمرين العالميين نحو الأصول المقومة بالدولار، ما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من الأسواق الآسيوية الناشئة. وخلال السنوات الخمس عشرة الأولى من هذا القرن، انخفضت عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى مستويات متدنية للغاية، ولا سيما في أعقاب الأزمة المالية العالمية (2008-2009). وقد أدى ذلك إلى تدفق هائل لرؤوس الأموال الأجنبية نحو أسواق الأسهم الآسيوية.
ومع ذلك، بدأ هذا الوضع يتغير خلال جائحة كوفيد-19 في 2020، وتفاقم الوضع عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، مما زاد من الضغوط التضخمية وأسهم في رفع أسعار الفائدة. لكن اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران هذا العام كان السبب الحقيقي وراء انهيار تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى آسيا. مدفوعةً بعوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات التي تتراوح بين 4% و5%، بلغت التدفقات الخارجة المقدرة للاستثمارات الأجنبية في الأسهم مستوى قياسياً عند 192 مليار دولار حتى 25 سبتمبر - وهو ما يفوق بكثير الذروة السابقة المسجلة عند 45 مليار دولار، وذلك استناداً إلى بيانات من البورصات الآسيوية.
وكما كان متوقعاً، شهدت عديدا من العملات الآسيوية تراجعاً كبيراً أمام الدولار خلال هذه الفترة. وكانت الاقتصادات التي تعاني عجزا في الحساب الجاري - مثل الهند وإندونيسيا والفلبين - الأكثر تضرراً، نظراً لاعتمادها الكبير على الاستثمارات الأجنبية لتمويل فجواتها التجارية.
وفي المقابل، ارتفعت قيمة عملات الاقتصادات التي تحقق فائضاً في الحساب الجاري، مثل الصين وكوريا الجنوبية. ومن الواضح أن هناك عوامل أخرى تلعب دوراً هنا، لا سيما في الصين التي لا تعتمد نظام التعويم الحر للعملة، إلا أن هذا النمط يظل قائماً. وتشير كل هذه المعطيات إلى أنه في حال استمرار ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، فقد تواصل عملات الاقتصادات التي تعاني من العجز انخفاضها.
مخاوف التضخم
عادةً ما يؤدي انخفاض قيمة العملات المحلية إلى تأجيج التضخم المستورد. وفي ظل الظروف الراهنة، تعمل هذه الديناميكية على تفاقم ضغوط أخرى عديدة على الأسعار المحلية تؤثر على الاقتصادات الآسيوية، بما في ذلك صدمة إمدادات الطاقة العالمية وظاهرة "النينيو" المناخية.
وليس من المستغرب أن تشهد الدول الآسيوية التي تعاني العجز وضعف العملة بعضاً من أعلى معدلات التضخم؛ ففي نهاية أغسطس، بلغ معدل التضخم 4.8% في الهند، و3.2% في إندونيسيا، و6.1% في الفلبين. وقد أقدمت هذه الدول بالفعل على رفع أسعار الفائدة عدة مرات هذا العام؛ فمنذ شهر مايو، رفع البنك المركزي الإندونيسي أسعار الفائدة 3 مرات بمقدار إجمالي بلغ 100 نقطة أساس، بينما قام البنك المركزي الفلبيني بخطوة مماثلة 3 مرات منذ أبريل، بزيادة إجمالية قدرها 75 نقطة أساس.
وتظل كل من الصين وتايوان وماليزيا استثناءات بارزة في آسيا فيما يتعلق بمعدلات التضخم؛ إذ يظهر وضع الصين ضعف الطلب المحلي، في حين تمتعت تايوان وماليزيا بأسعار صرف مستقرة نسبياً واستفادتا من خفض الرسوم الجمركية، ما يعني أن الضغوط الممارسة على بنوكهما المركزية لرفع أسعار الفائدة تكاد تكون معدومة.
الخاسرون والرابحون
كما تواجه تقييمات أسواق الأسهم مخاطر في جميع أنحاء المنطقة. على مدى العقد الماضي، تزامنت 3 حالات من ارتفاع العوائد في آسيا مع انخفاض في مضاعفات السعر إلى الأرباح الآجلة في أسواق الأسهم الآسيوية المختلفة، حيث أدى ارتفاع معدلات الخصم إلى خفض التقييمات بشكل تلقائي ومباشر.
وفي الفترة الحالية، ومع ارتفاع متوسط العائد على السندات لأجل 10 سنوات في آسيا من 3.4% في أواخر أكتوبر 2025 إلى 4.2% في أواخر سبتمبر، انخفض مضاعف السعر إلى الأرباح الآجل (لمدة 12 شهراً) لمؤشر "FactSet" للسوق الآسيوية من 16.7 ضعف إلى 12.5 ضعف. ومن الواضح أن هذا الاتجاه قد يتفاقم إذا ارتفعت أسعار الفائدة الأمريكية بأكثر مما تتوقعه الأسواق حالياً. ومع ذلك، من المتوقع أن تختلف ردود فعل القطاعات المختلفة.
فالأسهم ذات "المدة الزمنية الطويلة"أي الشركات التي تكمن قيمتها بشكل أساسي في المستقبل البعيد - تميل بطبيعة الحال إلى تسجيل انخفاض أكبر في تقييماتها نتيجة لارتفاع تكلفة رأس المال. وغالباً ما تندرج شركات التكنولوجيا ضمن هذه الفئة؛ ولذا، ليس من المستغرب أن تشهد مضاعفات السعر إلى الأرباح في الأسواق الكورية الجنوبية والتايوانية - التي تهيمن عليها شركات تكنولوجية عملاقة مثل "سامسونج" و"إس كيه هاينكس" و"تي إس إم سي" - انخفاضاً.
..الأكثر تضرراً خلال الارتفاع الأخير في عوائد السندات الأمريكية.
كما يهدد الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على الرافعة المالية أو الطلب المدفوع بالائتمان. ويؤثر هذا سلباً في الصناعات كثيفة رأس المال - مثل العقارات والمرافق العامة - التي تواجه تكاليف إعادة تمويل أعلى، وكذلك على أسهم السلع الاستهلاكية غير الأساسية التي تتأثر بقيود الاقتراض العائلي. وتُعد أسواق الفلبين وتايلاند والصين الأكثر اعتماداً على الرافعة المالية؛ إذ بلغت نسب صافي الدين إلى حقوق الملكية فيها خلال 2025 ما نسبته 118% و105% و86% على التوالي، وذلك وفقاً لبيانات "فاكت سيت".
في المقابل، عادةً ما تكون البنوك وشركات التأمين هي الرابح الأكبر خلال دورات تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة عالمياً. فبالنسبة للبنوك، غالباً ما تتجاوز معدلات الفائدة على القروض نظيرتها على الودائع، ما يعزز صافي هوامش الفائدة. وقد تجلى ذلك بوضوح في دورة عامي 2022 و2023، حين ارتفع متوسط صافي هامش الفائدة لأكبر 10 بنوك في هونج كونج من 1.41% إلى 1.65%.وفي الوقت نفسه، تستطيع شركات التأمين استثمار عوائد الأقساط الجديدة في سندات ذات عوائد متزايدة الارتفاع مع صعود أسعار الفائدة، ما يعزز ربحيتها عادةً.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "إيمر كابيتال بارتنرز المحدودة"

