الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية


رون بوسو

تدخل أوروبا فصل الشتاء بإمدادات طاقة هشة بشكل مثير للقلق، حيث تُضيّق الصراعات في الشرق الأوسط وروسيا الخناق على الأسواق العالمية للغاز الطبيعي المسال وزيت التدفئة، ما يدفع المخزونات إلى مستويات منخفضة بشكل خطر.

يُعدّ الغاز الطبيعي وزيت التدفئة المصدرين الرئيسيين للتدفئة المنزلية في أوروبا، حيث يُمثّل الغاز نحو 30% من الطلب على التدفئة المنزلية، بينما يُمثّل النفط نحو 10%، وفقاً لبيانات رسمية. بعد سنوات متتالية من صدمات الطاقة، يبدو أن أوروبا على وشك الدخول في شتاء آخر مع تعرّض أسواق الوقود لضغوط شديدة.

ويُعزى ضعف إمدادات الغاز في المنطقة إلى حد كبير إلى التحوّل الجذري في مزيج الطاقة لديها منذ الحرب الروسية الشامل لأوكرانيا 2022. فقد استبدلت أوروبا بسرعة الغاز الروسي المُعبأ عبر الأنابيب بالغاز الطبيعي المسال، لتصبح واحدة من أكبر مستوردي هذا الوقود فائق التبريد في العالم.

أدى هذا التحول إلى تحسين أمن الطاقة في أوروبا بتقليل الاعتماد على روسيا، ولكنه زاد من تعقيد ديناميكيات الطاقة في المنطقة. فبدلاً من الاعتماد على تدفقات خطوط الأنابيب طويلة الأجل، تتنافس أوروبا الآن مع آسيا ومناطق أخرى في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي، حيث يمكن أن تنتشر اضطرابات الإمداد في جميع أنحاء العالم بشكل فوري تقريبًا.وقد بات هذا الضعف واضحًا بشكل متزايد في الأشهر الأخيرة.

أزمة الغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط

تتخلف أوروبا عن الوتيرة المطلوبة لتجديد مخزوناتها من الغاز الطبيعي المسال قبل حلول فصل الشتاء. وتبلغ نسبة امتلاء مرافق تخزين الغاز تحت الأرض حاليًا نحو 55%، وهو أدنى مستوى لها في هذا الوقت من العام منذ 2021، وفقًا لبيانات مجموعة بورصة لندن.

في الوقت نفسه، تباطأت واردات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا بشكل حاد منذ اندلاع الحرب الإيرانية. وتشير بيانات شركة كيبلر إلى أن الواردات ستصل إلى 6.3 مليون طن متري فقط في يوليو، وهو أدنى مستوى لها منذ سبتمبر 2024. ويعود جزء من السبب إلى عودة آسيا بقوة إلى السوق. ارتفع الطلب على الغاز الطبيعي المسال في جميع أنحاء المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، حيث اجتذب رقماً قياسياً بلغ 4 ملايين طن من الإمدادات الأمريكية في شهري يونيو ويوليو، وفقاً لشركة كيبلر. وقد حوّلت هذه المشتريات مسار الشحنات التي كان من الممكن أن تتجه إلى أوروبا.

عندما فُتح مضيق هرمز لفترة وجيزة عقب اتفاق السلام المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران في أبريل، تمنى كثيرون أن تستأنف قطر - التي كانت تُشكّل نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية قبل النزاع - صادراتها سريعاً. إلا أن تجدد إغلاق المضيق في الأسابيع الأخيرة وسط تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران قد بدّد أي آمال في ذلك.

وبالتالي، يزداد قلق السوق الأوروبية إزاء انخفاض المخزونات وضعف الواردات وتدهور توقعات الإمدادات. وقد ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية القياسية إلى ما يزيد على 60 يورو لكل ميجاوات ساعة الأسبوع الماضي، متجاوزةً ذروتها السابقة خلال الحرب الإيرانية لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ أوائل 2023.

ومن المتوقع أن تجذب الأسعار المرتفعة في نهاية المطاف شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا. مع ذلك، حتى لو تعافت الواردات خلال الأشهر المقبلة، يبدو أن المنطقة ستدخل فصل الشتاء بمخزونات غاز أقل بكثير من مستوى التخزين المستهدف البالغ 80%.

أزمة الديزل

تواجه أوروبا تحديات مماثلة في سوق الديزل، الذي أصبح بهدوء أحد أكثر قطاعات الطاقة تضررًا هذا العام. وتعتمد المنطقة بشكل كبير على واردات الديزل، ويلعب هذا الوقود دورًا مزدوجًا في اقتصاد أوروبا، فهو يُشغّل قطاعي النقل والصناعة، كما يُستخدم كمادة خام لزيت التدفئة. عادةً ما يُخزّن المستهلكون وموزعو الوقود كميات كبيرة خلال أشهر الصيف استعدادًا للطقس البارد.

لكن المخزونات تتناقص.

أدت الحرب الإيرانية إلى تعطيل طرق الإمداد المهمة في الشرق الأوسط، وخفضت صادرات الديزل. وقد أجبر فقدان هذه الكميات المستهلكين على سحب مخزوناتهم، ما دفع المخزونات إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات. وصلت مخزونات الديزل الأوروبية إلى أدنى مستوياتها منذ 2022. إضافة إلى ذلك، انخفضت المخزونات في الولايات المتحدة، أكبر مُصدِّر للديزل في العالم، في مايو إلى أدنى مستوى لها منذ 23 عامًا، قبل أن تتعافى بنحو 10% في الأسبوع المنتهي في 17 يوليو، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وقد تفاقم الوضع بسبب قرارات سياسية اتخذتها اثنتان من أكبر مُصدِّري الوقود في العالم.

فرضت الصين قيودًا على صادرات الوقود منذ اندلاع الحرب مع إيران سعيًا منها للحفاظ على الإمدادات. ولا يزال من غير الواضح كيف ستدير إنتاجها وصادراتها مستقبلًا. في غضون ذلك، اتخذت روسيا - ثاني أكبر مُصدِّر للديزل في العالم  2025 - قرارًا بحظر صادرات الديزل في يوليو بعد أن ألحقت هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية المتواصلة أضرارًا ببعض منشآت التكرير لديها، ما أدى إلى انخفاض توافر الوقود محليًا.

وكانت روسيا تُصدِّر نحو مليون برميل يوميًا، أي نحو 12% من صادرات الديزل العالمية، قبل التصعيد الأخير في الحرب مع أوكرانيا. أسفر الحظر عن ارتفاع غير مسبوق في هوامش أرباح التكرير. فقد ارتفعت هوامش ربح الديزل في أوروبا أخيرا إلى مستوى قياسي بلغ نحو 65 دولارًا للبرميل. وكما هو متوقع، بدأت هذه الأسعار المرتفعة في الحد من الطلب.

انخفض الطلب على الديزل في أوروبا بنسبة بنسبة تزيد عن 6% في أبريل ليصل إلى 5.53 مليون برميل يوميًا، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. قد يظهر جزء من هذا الانخفاض التحول المستمر نحو السيارات التي تعمل بالبنزين والسيارات الكهربائية، لكن استمرار ارتفاع الأسعار يجبر المستهلكين والشركات على خفض استهلاكهم.

حتى لو هدأت التوترات في الشرق الأوسط سريعًا، فقد وقع الضرر بالفعل على المخزونات. من المرجح أن تبقى أسواق الغاز الطبيعي المسال والديزل العالمية تعاني نقصا في الإمدادات لأشهر، بينما تعيد الدول بناء مخزوناتها وتتنافس على الإمدادات المحدودة. هذا يجعل أوروبا تعتمد بشكل متزايد على عامل خارج عن سيطرتها: الطقس.

قد يوفر شتاء معتدل متسعًا من الوقت لتجنب أزمة شاملة. لكن موجة برد طويلة تزيد بشكل حاد من الطلب على التدفئة ستكشف مدى ضآلة هامش الخطأ المتبقي في نظام الطاقة الأوروبي. بعد سنوات من الصدمات المتتالية، تجد القارة نفسها مرة أخرى على بُعد شتاء قاسٍ واحد من أزمة طاقة خطرة.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية