محمد كركوتي
هناك انقسام واضح بين دول الاتحاد الأوروبي، بشأن توثيق علاقة التكتل مع الولايات المتحدة أو الصين، ولاسيما في ظل وجود إدارة أمريكية، لا تهتم عملياً بالركائز التقليدية لعلاقاتها مع أوروبا عموماً. التوجه الأوروبي نحو الصين يتصاعد، بالرغم من وجود الخلافات التقليدية أيضاً بين الطرفين، على رأسها الاختلال المستمر للميزان التجاري.
بكين بدأت بالفعل تعترف علناً بهذا الاختلال لمصلحتها، بعد عقود من عدم الحديث الصريح عنه. هذا الاعتراف، دفع البلدان الأوروبية المؤيدة للابتعاد عن واشنطن، إلى العمل لتفعيل المحادثات مع الصين، خصوصاً مع انفتاح الأخيرة على فكرة تعميق العلاقات، والتوصل لحل منطقي لاختلال الميزان التجاري الكبير، الذي يعادل يومياً مليار دولار تقريباً لمصلحة بكين.
في العام الماضي، بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الصين 199.6 مليار يورو، مقابل واردات بقيمة 559.4 مليار يورو. الفجوة واسعة تبلغ نحو 360 مليار يورو. فلا بد من حراك عملي لإعادة التوازن، وإن كان الوصول إلى التوازن الكامل بعيداً على الأقل في الأعوام المتبقية من العقد الحالي.
ما يمكن أن يقرب العلاقات بين الأوروبيين والصينيين، أن تتعهد الدولة الآسيوية، بالانفتاح أكثر على السلع الأوروبية، وتقليل إغراق سوق الاتحاد الأوروبية بسلعها المتنوعة والكثيرة وعالية الجودة أيضاً.
ويبدو واضحاً، أن المسؤولين في بكين، مستعدين لأي تفاهمات بهذا الشأن، بما في ذلك تخفيض الرسوم الجمركية على السلع الأوروبية، فقد أعلن وزير التجارة الصيني وانج ون تاو أخيراً، عن انفتاح بلاده لعقد اتفاقات لشراء مزيد من هذه السلع.
وإذا ما تم ذلك، وأقدم الأوروبيون من جهتم على تخفيف القيود المفروضة على بعض السلع التكنولوجية فائقة التطور، بما في ذلك أشباه الموصلات، فمن المتوقع أن تكون الصين الشريك التجاري الأهم لأوروبا عموماً في العقد المقبل على أبعد تقدير.
صحيح أن دولاً كبرى في الكتلة الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا، مترددتان بشأن تقوية العلاقات مع الصين، إلا أنهما لا يميلان لعلاقة قوية مع الولايات المتحدة، ولاسيما في ظل وجود دونالد ترمب في البيت الأبيض. لكن المواقف يمكن أن تتغير ببساطة وبسرعة خصوصاً مع بوادر الانفتاح الصيني المتزايدة، والهادفة إلى "تصحيح" الخلل التجاري مع الأوروبيين. وفي كل الأحوال، بكين نفسها تفضل علاقات أقوى مع هؤلاء، مقارنة بعلاقات مماثلة مع واشنطن.
فالأخيرة ضربت عرض الحائط منذ عودة ترمب إلى الحكم، ببعض معايير العلاقات الدولية، حتى أن ذلك شمل من كانوا يوصفون بحلفاء الولايات المتحدة، الذين باتوا اليوم يبحثون عن تطوير متوازن للعلاقات مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
كاتب اقتصادي
