الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

أهمية حوكمة الذكاء الاصطناعي للبنوك المركزية في الاقتصادات النامية

كريستينا ميجياني
كريستينا ميجياني
السبت 16 مايو 2026 9:57 |4 دقائق قراءة

تُعد البنوك المركزية من بين أكثر المؤسسات العامة كثافةً في البيانات. ومع قيامها بتحديث أنظمة المدفوعات الرقمية والإشراف المالي، فإن التحليلات والتكنولوجيا الإشرافية المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي تُمكِّنها من استكشاف الروابط بين مجموعات البيانات الضخمة التي بحوزتها. وبذلك، تعمل هذه الأدوات على توسيع قدرة البنوك المركزية على استنباط معلومات عن الكيانات الاعتبارية والأفراد تتجاوز ما تتيحه مباشرةً أي مجموعة بيانات منفردة.

وفي عديد من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، يُطلب من البنوك المركزية بذل مزيد من الجهد باستخدام بياناتها، مثل دعم تسريع المدفوعات الرقمية، وتحسين مستوى الكشف عن المخاطر، وتعزيز القدرات الإشرافية والرقابية. ولكن غالباً ما يجري تحقيق هذه التطورات في الوقت الذي لا تزال فيه أطر حماية البيانات والرقابة عليها، وآليات معالجة المظالم قيد التطور.

ويُعد ضمان مواكبة الحوكمة لتنامي قدرات البنوك المركزية على الاستدلال أمراً بالغ الأهمية لتحقيق الشمول المالي، والثقة المؤسسية، وشرعية الإصلاحات المالية الرقمية. وكما يشير تقرير حديث للبنك الدولي عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الإشراف على القطاع المالي، فإن السلطات الإشرافية في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية تَعتبِر بالفعل خصوصية البيانات وأمنها والأمن السيبراني من التحديات الرئيسية التي تواجه اعتمادها للذكاء الاصطناعي.

ويثير الاستدلال المُعَزَّز بالذكاء الاصطناعي مسألةً قانونية أكثر دقة: الأمر لا يتعلق بطبيعة البيانات المحتفظ بها فحسب، بل أيضاً بما يمكن الاستدلال عليه من معلومات، وكيفية حوكمة هذه الاستدلالات ووضع ضوابطها على مستوى جميع وظائف البنوك المركزية.

الاستدلال يغير مشهد حماية البيانات

تعمل البنوك المركزية في ظل أطر متنوعة لحماية البيانات (الجدول 1). ومع ذلك، تظهر فجوة تشترك فيها الاقتصادات مرتفعة الدخل واقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية على حد سواء، إذ قد تُقِر البنوك المركزية بأنها تقوم بمعالجة البيانات الشخصية، لكن وثائقها العامة الخاصة بحماية البيانات أو استراتيجياتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي لا توضح بجلاء كيفية حوكمة أنشطة تصنيف الأنماط والفئات، أو عمليات الاستدلال المستمدة من الذكاء الاصطناعي.

ولا يمكن ممارسة حقوق حماية البيانات فعلياً دون توافر قدر كافٍ من الشفافية بشأن كيفية معالجة البيانات الشخصية. وفي البلدان النامية، يزيد هذا الغموض من خطر وقوع الأفراد تحت رقابة المؤسسات العامة والتدقيق الحكومي قبل أن تتمكن الأطر القانونية القائمة من الاستجابة لهذه المستجدات.

ويمكن للتحليلات المتقدمة أن تولد مجموعة واسعة من الاستدلالات، بما في ذلك تلك المستمدة من مجموعات البيانات الحالية. وتُعد مجموعة بيانات "أناكريديت" (AnaCredit) الخاصة بالبنك المركزي الأوروبي، التي تسجل القروض الممنوحة للكيانات القانونية (وليس الأفراد)، مثالاً على ذلك.

المدفوعات الرقمية والعملات الرقمية للبنوك المركزية

تتجلى هذه الإشكاليات بوضوح في أنظمة الدفع. ففي حين تفتقر البنوك المركزية عادةً إلى إمكانية الوصول المنتظم إلى بيانات معاملات التجزئة، فقد يتغير هذا الوضع عندما تتولى تشغيل البنى التحتية لمدفوعات التجزئة أو أنظمة العملات الرقمية للبنوك المركزية التي تعمل على مركزية تدفقات المعاملات.

ويمكن للذكاء الاصطناعي استخلاص رؤى من بيانات المدفوعات تتجاوز الأغراض الأصلية التي جُمعت تلك البيانات من أجلها. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في المدفوعات الرقمية والعملات الرقمية للبنوك المركزية، حيث يحاول واضعو السياسات بالفعل تحقيق التوازن بين حماية البيانات وتحقيق الأهداف القانونية، مثل مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وبالنسبة للاقتصادات النامية، فإن المخاطر تعتبر كبيرة للغاية؛ فوفقاً لتقرير البنك الدولي حول الإشراف المالي باستخدام الذكاء الاصطناعي، ينتشر التصنيف الائتماني القائم على الذكاء الاصطناعي في بعض البلدان الإفريقية، ويرجع ذلك جزئياً إلى افتقار عديد من المستهلكين إلى سجلاتٍ ائتمانية رسمية. وتشتد هذه المخاطر عندما تؤدي التنبيهات القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى إخضاع الأفراد لمستويات إضافية من التدقيق دون مراجعة بشرية حقيقية أو ضمانات تتيح الاعتراض على الأخطاء.

وفي البلدان التي تسعى إلى اعتماد أنظمة الدفع السريع والعملات الرقمية للبنوك المركزية لتعزيز أهداف الشمول المالي والاقتصاد الرقمي، قد تؤثر مثل هذه الأحكام الخاطئة في الأشخاص الأقل قدرة على فهمها أو الاعتراض عليها أكثر من غيرهم. وهنا، يمكن أن يؤدي ضعف الحوكمة فيما يتعلق بالاستدلال إلى إحجام الأفراد عن المشاركة، بما يقوّض في نهاية المطاف الأهداف الإنمائية التي تستهدف هذه الأنظمة تعزيزها.

 ضرورة تحديث أطر الحماية والضوابط الرقابية

يجب توسيع نطاق الضمانات كلما أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر استقلاليةً وقدرةً على اتخاذ إجراءات استناداً إلى الرؤى المُستدل عليها. ويجب أن تغطي هذه الضمانات الرؤى التي يتم التوصل إليها، والإجراءات التي تُتخذ بناءً عليها، ومواطن الضعف المرتبطة بالأدوات المُعززَّة بالذكاء الاصطناعي.

ولا ينبغي ترك هذه المسائل لقوانين حماية البيانات أو لأطر حوكمة الذكاء الاصطناعي الناشئة وحدها، بل يجب أيضاً معالجتها من خلال القواعد التي تحكم وظائف البنوك المركزية، مثل أنظمة الدفع والممارسات الإشرافية، وكذلك من خلال إرشادات عملية وحوكمة أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها.

لذلك، تبرز ثلاث أولويات رئيسية بالنسبة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، وهي:

الشفافية المؤسسية: يجب على البنوك المركزية الاحتفاظ بسجل للأدوات المُعَزَزة بالذكاء الاصطناعي، مع وصف الغرض من كل أداة، وأنواع أو فئات البيانات الشخصية التي قد تعالجها، ومدى تأثيرها في القرارات وكيفية ذلك، وما إذا كانت تولد استدلالاتٍ عن الأفراد أو تعتمد عليها، بما في ذلك مَن لم يقدموا بياناتهم بشكلٍ مباشر.

الرقابة البشرية الهادفة: يجب أن تستند أعمال الرقابة إلى تقييماتٍ مستمرة للمخاطر طوال دورة حياة التحليلات. ويشمل ذلك التدخل البشري الهادف، والمراجعة المستقلة، وتقييمات الأثر، والسجلات القابلة للتدقيق، وإمكانية الاعتراض والطعن. ويُعد هذا الأمر ضرورياً في عديد من البلدان النامية لأن سبل الانتصاف القانونية قد تكون محدودة أو مرتفعة التكلفة.

فصل البيانات ووضع ضوابط استخدامها: من شأن وضع قواعد واضحة لمشاركة البيانات وإعادة استخدامها، وإنفاذ ضوابط الوصول، واستخدام التقنيات المُعزِزة للخصوصية أن يسهم في منع التوسع غير المنضبط في استخدام البيانات، وتداخل الاستدلالات، وإساءة استخدام البيانات لأغراض السيطرة السياسية. وفي اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، يجب أن تكون الضمانات متناسبة، وقائمة على المخاطر، ومتكيفة مع القدرات المحلية.

وبالنسبة للبنوك المركزية، تُعد الحوكمة الهادفة ضرورةً لا غنى عنها لحماية البيانات الشخصية في عصر الذكاء الاصطناعي. فخطر أن تتجاوز هذه الأدوات القوية آليات الرقابة هو خطر حقيقي ووشيك.

ومع ذلك، بإمكان هذه البنوك تعزيز أطر الحوكمة لديها — حتى مع تنامي قدراتها الاستدلالية من خلال إرساء قيم الشفافية المؤسسية، وتفعيل آليات المراقبة البشرية، ووضع ضوابط صارمة على استخدام البيانات وتداولها. ويتمثل التحدي التالي في تسخير هذه الأدوات بطرقٍ تسهم في تعزيز الشمول المالي، وتحافظ في الوقت ذاته على ثقة الجمهور في مسيرة الإصلاح الرقمي.

مستشارة قانونية في وحدة الاستشارات القانونية والمعرفة ـ البنك الدولي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية