الأربعاء, 21 أكتوبر 2026|9 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

حين اقترح الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" إدخال مستثمرين في شركة تتولى إدارة أنشطته التجارية، لم يكن السؤال الأهم كم سيدفع هؤلاء المستثمرون، بل ما الذي ستتنازل عنه المؤسسة مقابل المال الذي ستحصل عليه. وبعد سحب المشروع وإعلان خطة جديدة لتطوير اللعبة تُموّل جزئيًا من الاحتياطيات، عاد السؤال بصورة أوضح: ما القيمة التي يضيفها المستثمر الخاص إلى مؤسسة تمتلك أصلًا موارد مالية كبيرة؟

استهدف مشروع "FIFA Forward Enterprise" جذب نحو 4.2 مليار دولار من مستثمرين مقابل حصة أقلية في كيان تجاري تابع للاتحاد. وفي سبتمبر، طالب رئيسا الاتحاد الأوروبي واتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي بمراجعة احتياطيات "فيفا"، واقترحا زيادة التمويل الموجه إلى الاتحادات الوطنية من تلك الموارد. ثم أعلن "فيفا" في 15 أكتوبر خطة مقترحة ترفع إجمالي تمويل تطوير كرة القدم خلال الفترة 2027–2030 إلى 6.35 مليار دولار، مع الاحتفاظ باحتياطي أساسي قدره 1.7 مليار دولار.

لا تعني هذه الأرقام أن المشروعين بديلان ماليان متكافئان؛ فالمبلغ الأول رأس مال خارجي مستهدف، والثاني إجمالي تمويل التطوير المقترح. كما أوضح "فيفا" أن الاستثمار الخاص كان سيضيف إلى التمويل الممكن من الموارد القائمة، لا أن يحل محله. لكن ذلك لا يلغي السؤال الاقتصادي الذي أثاره الاعتراض: ما القيمة الإضافية التي كان المستثمر سيقدمها، وهل تستحق الحصة التي سيحصل عليها في المقابل؟

قد يمنح المستثمر المؤسسة سيولة وخبرة في التسويق وتطوير الإيرادات. لكنه سيشاركها أيضًا في قيمة تجارية قد تنمو لسنوات. أما استخدام الاحتياطيات فيحافظ على الحقوق والعوائد داخل المؤسسة، لكنه يقلل هامش الأمان المالي المتاح لمواجهة الأزمات والالتزامات المستقبلية. ولهذا فإن المفاضلة ليست بين خيار مكلف وآخر مجاني؛ فكلاهما يحمل تكلفة، لكن طبيعتها وتوقيتها مختلفان.

وتظهر هنا أهمية حساب تكلفة الفرصة البديلة. فبيع حصة تجارية قد يبدو جذابًا بسبب المبلغ الذي يدخل اليوم، لكنه يصبح أقل جدوى إذا كانت قيمة العوائد المستقبلية المتنازل عنها أكبر من المنافع الجديدة التي سيحققها المستثمر. وفي المقابل، قد تكون الشراكة أفضل إذا أثبتت قدرتها على توليد قيمة إضافية تفوق تكلفتها لذلك لا تُقاس جودة القرار بحجم التمويل المعلن، بل بالقيمة الصافية التي يحتفظ بها أصحاب المصلحة بعد احتساب المخاطر والبدائل.

وتزداد أهمية هذا المعيار لأن "فيفا" مؤسسة غير ربحية. وهذه الصفة لا تمنعها من الاستثمار أو تحقيق إيرادات تجارية، لكنها تجعل تلك الإيرادات وسيلة لخدمة تطوير كرة القدم، لا غاية مستقلة.

ومن ثم، فإن زيادة المخصصات للاتحادات لا تكفي وحدها لإثبات جودة وسيلة التمويل؛ فقد ترتفع الأموال الموزعة اليوم مقابل انخفاض حصة المؤسسة من عوائدها غدًا.

وهنا تؤدي الحوكمة وظيفتها الاقتصادية الحقيقية. فهي لا تبدأ بالسؤال عمّن وافق على الصفقة فقط، بل بما إذا كانت الجهات المخولة قد اطلعت على تقييم مستقل للحقوق التجارية، وقارنت تكلفة دخول المستثمر بتكلفة استخدام الاحتياطيات، وفحصت أثر القرار في قدرة المؤسسة على تمويل أنشطتها مستقبلًا. فالاختصاص القانوني يمنح القرار مساره الصحيح، أما التقييم الاقتصادي فيحدد ما إذا كان ذلك القرار يستحق اتخاذه.

وليس المطلوب إغلاق الباب أمام رأس المال الخاص؛ فالتمويل الخارجي قد يكون مفيدًا عندما يضيف خبرة أو قدرة على النمو لا توفرها الموارد الحالية. لكن قيمته يجب أن تُثبت قبل التنازل عن جزء من الحقوق، لا أن تُفترض لمجرد أن المستثمر مستعد للدفع.

لقد أعاد المشروع المسحوب وخطة التمويل الجديدة طرح سؤال يتجاوز "فيفا": كيف تحافظ المؤسسة غير الربحية على القيمة الاقتصادية للأصول التي تموّل رسالتها؟ فالمليارات التي تحصل عليها اليوم ليست وحدها معيار النجاح؛ هناك أيضا عوائد وحقوق ينبغي ألا تتخلى عنها إلا إذا كان المقابل يبرر ذلك. والتمويل الجيد ليس الذي يضيف أكبر مبلغ إلى الميزانية الآن، بل الذي يترك أكبر قيمة للعبة في المستقبل.

مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية