أشاد مجلس الوزراء في اجتماعه الأسبوع الماضي بإطلاق النسخة الأولى من أسبوع المياه السعودي الذي يمثل منصة وطنية وإقليمية ودولية تعزز الحوار العالمي والأولويات العربية والدور المحوري للسعودية في هذا القطاع وجهودها المتواصلة لابتكار حلول عملية وشراكات نوعية تترجم مستهدفات تحقيق الأمن المائي وكفاءة استخدام الموارد الطبيعية وتسريع العمل المشترك نحو مستقبل مائي أكثر استدامة.
وللحديث بشكل شامل عن الجهود المبذولة لتوفير المياه في بلاد مترامية الأطراف تعاني، بحكم طبيعتها المناخية والجغرافية، من شح المياه .. أقول أن اصدق وصف للماء في بلادنا هو المقولة القديمة بأنه “أرخص موجود وأغلى مفقود” ولذا يتساهل بعض الأفراد في الحفاظ على الماء، ويهدرونه بالشكل الذي نراه للأسف وقوبل هذا التساهل بحزم وجهد..
الحزم بحق المخالفين والجهد بالعمل منذ وقت مبكر لإيجاد مصادر بديلة للمياه، بعدما كنا نعتمد في توفيرها على المياه الجوفية من الآبار فقط وفي عام 1346هـ أي قبل 100 عام أمر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن باستيراد آلتين كبيرتين لتقطير مياه البحر لتأمين احتياجات الحجاج والمعتمرين من المياه إضافة إلى تزويد سكان مدينة جده بالماء.
أما نقطة التحول فكانت 1974 حيث صدر مرسوم ملكي بإنشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة لتتولى انشاء المحطات وايصال المياه المحلاة لمختلف مناطق السعودية.. وتدير المؤسسة حاليًا (33) محطة تحلية منها (8) محطات على ساحل الخليج العربي و(25) محطة تحلية على ساحل البحر الأحمر حيث تمكنت المؤسسة العامة للتحلية من تحقيق الريادة في مجال المياه المحلاة عالميًا بإنتاج يصل الى نحو (8 ملايين متر مكعب) يوميًا.. لتكون بذلك أكبر دولة في العالم إنتاجًا للمياه المحلاة بنسبة 22% من الإنتاج العالمي.
ولأجل استعراض ما وصلنا له ونقاش التطلعات والمستهدفات دشن نائب أمير منطقة مكة المكرمة سعود بن مشعل بن عبدالعزيز بحضور وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن الفضلي فعاليات أسبوع المياه السعودي التي أقيمت أخيرا في محافظة جده وشملت معرضاً لاستعراض تقنيات المياه، وورشة عمل متخصصة حول تحديات القطاع ومستقبله، وقُدمت خلاله جوائز (مائي) الهادفة لتحفيز الابتكار وتشجيع الممارسات المميزة في التعاطي مع السلعة الأغلى.
وكانت الرسالة واضحة في كلمة الوزير الفضلي الافتتاحية أن قطاع المياه اصبح أكثر كفاءة وجاذبية للاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص مما حقق نجاحًا في جذب الاستثمارات حيث بلغت أكثر من (60 مليار ريال) ما أسهم في خفض تكلفة انتاج المياه وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في منظومة الإنتاج وهذا يبرز انتقال قطاع المياه من نموذج يعتمد على التوسع في الإمداد والخدمات إلى نموذج يوازن بين العرض والطلب وأمن الإمداد والكفاءة والاستدامة المالية والبيئية ..
وأكد الوزير أن منظومة المياه في السعودية أثبتت قدرتها على المحافظة على أمن الإمداد واستمرارية الخدمة بفضل تنوع مصادر الإنتاج واتساع شبكات النقل وتكامل الحوكمة والتشغيل ما يؤكد أن الاستثمار في المياه هو استثمار في أمن الإنسان واستقرار الاقتصاد واستدامة التنمية.
وأخيرًا: عودة إلى أغلى مفقود لا بد من الإشارة إلى أن أي شيء نفقده يمكن تعويضه بالبدائل الأخرى المتاحة .. ومن ذلك الغذاء والدواء ومختلف احتياجات الحياة إلا الماء لا بديل له فهو مصدر الحياة.
(وجعلنا من الماء كل شيء حي) ولذا نعود إلى التأكيد على أهمية المحافظة على هذه الثروة التي لا تقدر بثمن وضرورة الاستمرار في الدراسات والبحوث لتطوير أساليب إيجاد مصادر المياه وكيفية المعالجة والتوزيع من خلال الشراكات مع مراكز البحث المحلية والدولية.. كما أن من المؤمل أن تنشط الجهات المختصة بتوعية الجميع وخاصة الجيل الجديد بعدم التساهل في الإسراف على أساس أن الماء أرخص الموجود.
كاتب اقتصادي
