تشهد أسواق النفط العالمية في أغسطس الحالي واحدة من أكثر الفترات تقلباً منذ عقود، مدفوعةً بتداعيات الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز المتواصل، إلى جانب عوامل هيكلية أخرى. ففي حين تشير التوقعات إلى انخفاض الطلب العالمي على النفط بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً خلال العام ينخفض المعروض بـ4.3 مليون برميل يومياً ليصل إلى نحو 102 مليون برميل يومياً.
هذا العجز يغذي مستويات أسعار مرتفعة نسبياً مقارنة بما قبل الأزمة، مع توقعات لارتفاع سعر خام برنت في حدود 85-87 دولاراً للبرميل في الربع الثالث، قبل أن يتراجع تدريجياً مع تعافي الإمدادات. تُظهر البيانات أن الأسواق انتقلت من فائض هيكلي متوقع قبل الصراع إلى عجز حاد، مدفوع بشكل أساسي بانقطاعات الإمداد من الخليج، مع تأثيرات متباينة على الطلب بسبب ارتفاع أسعار الوقود ونقص المنتجات المكررة. وفي الوقت نفسه، يستمر نمو الإمدادات من الأمريكتين.
لقد ارتفع المعروض العالمي إلى 101.5 مليون برميل يومياً في يوليو 2026، بزيادة 2.4 مليون برميل يومياً عن الشهر السابق، لكنه ظل أقل بـ6.3 مليون برميل يومياً عن مستوياته قبل عام، مع استمرار إغلاق نحو 8.3 مليون برميل يومياً من إنتاج الخليج، تجدد الأعمال العدائية والاضطرابات البحرية في يوليو وأوائل أغسطس أعاقا جهود التعافي، ما خفض التوقعات لمعروض الربع الثالث بمقدار 1.7 مليون برميل يومياً مقارنة بتقرير يوليو. الطلب يشير إلى نمو محدود بنحو 580 ألف برميل يومياً لعام 2026
أسعار خام برنت تتداول قرب مستويات 85 - 89 دولاراً للبرميل في منتصف أغسطس، مدعومة بالعجز المتوقع الذي يصل إلى 1.8 مليون برميل يومياً في الربع الثالث وهو أعمق عجز فصلي منذ أواخر 2021.
مخزونات النفط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفضت بشكل حاد، ووصلت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، مدعومة بسحوبات من الاحتياطيات الإستراتيجية. وفي الوقت نفسه، ارتفعت هوامش التكرير إلى مستويات قياسية مؤقتاً بسبب نقص المنتجات، رغم أن بعض الضغوط خفت مع زيادة التشغيل في يوليو.
تتأثر أسواق النفط بمجموعة متشابكة من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والهيكلية، أبرزها العامل الجيوسياسي وأمن الإمدادات وهو العامل المهيمن حاليا حيث يظل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية مغلقا أو مقيدا بشدة منذ اندلاع الصراع ما أدى ذلك إلى إغلاق ملايين البراميل من الإنتاج في السعودية والعراق والكويت وإيران ودول أخرى.
تجدد الأعمال العدائية والاضطرابات في باب المندب، إضافة إلى هجمات على البنية التحتية الروسية والكازاخستانية، زاد من الضغوط. حتى مع وجود اتفاقات مؤقتة سابقة، بقيت القيود قائمة، ويتوقع أن يستمر جزء من الإنتاج المعطل بنحو 0.6 مليون برميل يومياً حتى نهاية 2027. هذه المخاطر الجيوسياسية أضافت علاوة سعرية كبيرة، وأعادت رسم خريطة التجارة نحو مصادر بديلة في الأطلسي.
العامل الآخر هو سياسات أوبك+ وتخفيف الخفض على قيود الإنتاج الطوعي فأوبك+ تواصل زيادة الحصص تدريجياً، مع رفع بمقدار 188 ألف برميل يومياً لسبتمبر 2026 لاستكمال إلغاء جزء من التخفيضات السابقة. لكن القدرة الفعلية على الإنتاج مقيدة بشدة بسبب الصراع، والطاقة الفائضة الفعالة منخفضة.
أما نمو الإمدادات من خارج أوبك+ فهو أحد المؤثرات الحالية حيث تستمر الأمريكتان الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا وكندا بتعويض جزء كبير من الخسائر، بنمو متوقع بنحو 1.4 مليون برميل يومياً في 2026 يستمر النفط الصخري الأمريكي في كونه مصدراً مرناً، رغم ارتفاع التكاليف. هذا النمو يحد من الارتفاع الشديد في الأسعار، ويسهم في إعادة التوازن تدريجياً.
على الجانب الآخر أدت الأسعار المرتفعة ونقص الوقود إلى انخفاض الاستهلاك، خاصة في الصين أكبر مستورد عالمي، وفي قطاعات البتروكيماويات والطيران والديزل. ومع ذلك، يُتوقع انتعاش الطلب في 2027 بنحو 2-2.4 مليون برميل يومياً مع انخفاض الأسعار وتطبيع التجارة. وبالحديث عن المؤثرات طويلة الأمد والأساسيات يظل الاقتصاد العالمي، خاصة في الأسواق الناشئة، وقوة الدولار، وأسعار الفائدة، مؤثرة على الطلب والاستثمار.
من المتوقع استمرار العجز خلال 2026، مع انخفاض المعروض بـ4.3 مليون برميل يومياً والطلب بـ1.6 مليون، ما يدعم أسعاراً في حدود 80-90 دولاراً لبرنت في النصف الثاني. ومع افتراض تحسن تدريجي في تدفقات هرمز اعتبارا من سبتمبر/أكتوبر 2026، وتعافي معظم الإنتاج الخليجي بحلول أوائل 2027 سيرتفع المعروض بـ8.3 مليون برميل يومياً في 2027 إلى نحو 110.3 مليون برميل يومياً، بينما ينمو الطلب بـ2.4 مليون.
المخاطر الصعودية تشمل استمرار إغلاق المضيق لفترة أطول، أو تصعيد جديد، أو أضرار دائمة في البنية التحتية، ما قد يدفع الأسعار إلى مستوى الثلاث خانات أو فوق 100 دولار. أما المخاطر الهبوطية فتتعلق بتعاف أسرع، أو نمو أقوى في الإمدادات من خارج أوبك أو تباطؤ اقتصادي أعمق يدمر الطلب أكثر.
تُعد أسواق النفط في 2026 مثالا حيا على كيفية تغلب الصدمات الجيوسياسية على العوامل الأساسية للعرض والطلب في المدى القصير. بينما يدعم العجز الحالي الأسعار، فإن التعافي المتوقع في 2027 يشير إلى عودة محتملة إلى بيئة فائض وضغط نزولي. يعتمد المستقبل على سرعة حل أزمة هرمز، وقدرة المنتجين على الاستجابة. بالنسبة للاقتصادات المنتجة والمستهلكة على حد سواء، يظل التنويع وإدارة المخاطر الجيوسياسية أمرا حاسما في هذه المرحلة الانتقالية.
خبير إستراتيجي في شؤون الطاقة
