شهدت أسواق النفط العالمية خلال الأسبوع المنصرم تقلبات حادة عكست بوضوح التوازن الدقيق بين المخاطر الجيوسياسية والعوامل الأساسية للعرض والطلب. فبعد أسابيع من الارتفاع المدفوع بمخاوف انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز، تحولت الأسعار فجأة إلى مسار هابط قوي، مسجلة خسائر أسبوعية تُعد من الأكبر منذ منتصف العام. يعكس هذا التحول كيف أن الأسواق باتت أكثر حساسية للإشارات الدبلوماسية والاقتصادية مقارنة بالتصعيد العسكري المباشر.
بدأ الأسبوع بمستويات مرتفعة نسبياً، حيث أغلق خام برنت قرب 94 دولاراً للبرميل وخام غرب تكساس الوسيط قرب 87 دولاراً، مدعومين باستمرار القيود على حركة الملاحة في المضيق الذي كان يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية قبل اندلاع الصراع في أواخر فبراير. ومع إعلان الإدارة الأمريكية عن حملة عقوبات اقتصادية موسعة وصفها وزير الخزانة سكوت بيسنت بيوم الحساب الاقتصادي توقعت الأسواق في البداية رد فعل صعودياً.
غير أن الإعلان جاء أقل حدة مما كان يُخشى، إذ ركز على ضغط اقتصادي طويل الأمد بدلاً من إجراءات فورية قد تعطل الإمدادات بشكل أكبر. أدى ذلك إلى موجة جني أرباح سريعة، فهبطت الأسعار بأكثر من 2% في جلسة واحدة.
تسارعت الخسائر مع توالي الأنباء الإيجابية حول المفاوضات بين إيران وعُمان. حيث أشارت الأنباء العُمانية إلى أن وزيري خارجية البلدين ناقشا إنشاء ممر ملاحي مشترك مؤقت عبر مضيق هرمز، مع اتفاق على إزالة الألغام وتقاسم الإيرادات وأشارت مصادر إيرانية إلى أن التفاصيل الفنية قيد الدراسة، وقد يتم تنفيذ الممر خلال 30 إلى 60 يوماً.
هذه التطورات غذت تفاؤلاً بأن الحرب الحركية قد تتحول إلى مواجهة اقتصادية أكثر قابلية للإدارة، ما أدى إلى تآكل العلاوة الجيوسياسية التي كانت تدعم الأسعار
وبحلول منتصف الأسبوع، كان برنت قد انخفض بنحو 9% إلى ما دون 87 دولاراً، بينما اقترب غرب تكساس من حاجز الـ80 دولاراً، مسجلاً أدنى مستوياته منذ أوائل أغسطس.
لم تقتصر العوامل على الجانب الجيوسياسي. فقد ساهمت بيانات المخزونات الأمريكية في تعزيز الاتجاه الهابط وأظهرت تقارير معهد البترول الأمريكي ارتفاعاً بنحو 4.2 مليون برميل في المخزونات التجارية خلال الأسبوع المنتهي في 21 أغسطس بينما سجلت بيانات إدارة معلومات الطاقة زيادة أقل من المتوقع بلغت نحو 95 ألف برميل فقط.
في المقابل، استمرت سحوبات الاحتياطي البترولي الاستراتيجي التي وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ أوائل الثمانينيات. ورغم أن مخزونات المنتجات المكررة، خاصة الديزل، بقيت ضيقة بسبب تشغيل المصافي الأمريكية بطاقة كاملة لتعويض نقص الإمدادات من الشرق الأوسط، إلا أن التركيز السائد كان على احتمال عودة التدفقات عبر هرمز.
يظل المشهد معقداً فحركة السفن عبر المضيق ما زالت محدودة للغاية، إذ سجلت بيانات التتبع أرقاماً أقل بكثير من المتوسطات السابقة للحرب. وتحتفظ إيران بالقدرة على الرد عبر تعطيل الشحن، ما يبقي على علاوة مخاطر متبقية.
كما أن أسعار المنتجات المكررة لم تنخفض بنفس الوتيرة، ما يشير إلى استمرار الضغوط على المستهلكين في الأسواق النهائية. ومع ذلك، يرى محللون أن أي اتفاق موثوق يعيد فتح الممر بسرعة قد يزيل طبقة إضافية من العلاوة الجيوسياسية، وربما يدفع الأسعار نحو مستويات أدنى إذا تأكدت زيادة العرض.
لقد لخص أسبوع النفط المنصرم تحولاً نوعياً في نظرة الأسواق: من التركيز على سيناريوهات الانقطاع الحاد إلى رصد فرص التهدئة التدريجية. ومع استمرار المفاوضات العُمانية-الإيرانية وترقب تأثير العقوبات الأمريكية الجديدة، تبقى الأسواق في حالة ترقب حذر. فأي تقدم ملموس في استعادة التدفقات عبر هرمز قد يعيد رسم منحنى الأسعار في الأسابيع المقبلة، بينما يظل أي انتكاس دبلوماسي قادراً على إعادة إشعال التوترات ورفع الأسعار مجدداً.
خبير استراتيجي في شؤون الطاقة
