الثلاثاء, 27 أكتوبر 2026|15 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


د. محمد آل عباس

تأتي مناقشة تعديل أسعار الطاقة والمياه في السعودية أخيرا في وقت تتزايد فيه مؤشرات ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، فقد سجل أغسطس 2026 أعلى متوسط حرارة عالمية في السجلات وأظهر سبتمبر 2026 ارتفاعاً عالمياً قدره 1.63 درجة مئوية فوق متوسط فترة ما قبل الثورة الصناعية وفق مصادر متخصصة، كما كان صيف نصف الكرة الشمالي، من يونيو إلى أغسطس، الأشد حرارة وفق المنظمة العالمية للأرصاد.

وسجلت أوروبا صيفاً حاراً وجافاً اتسم بموجات حر وفترات طويلة من الجفاف، ولقد سجلت منصات التواصل الاجتماعي المحلية نقاشات بشأن حرارة الخريف التي استمرت مدة أطول وأن بداية الأجواء الباردة تأخرت، والتعامل مع هذه الظواهر المناخية المتطرفة تمثل جوهر اتفاق باريس للمناخ المرتبط بالحد من الاحترار، ويهدف إلى إبقاء ارتفاع متوسط حرارة الأرض أقل بكثير من درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصر الارتفاع عند 1.5 درجة مئوية.

ولتحقيق ذلك، تشير اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ إلى ضرورة بلوغ انبعاثات غازات الدفيئة ذروتها في أقرب وقت ممكن وخفضها بنحو 43% بحلول 2030 مقارنة بمستويات عام، كما شملت هداف التنمية الأممية المستدامة ضمان توافر المياه وإدارتها بصورة مستدامة، توفير طاقة حديثة وموثوقة ومستدامة وبأسعار ميسورة، مع تحقيق أنماط مستدامة للاستهلاك والإنتاج وتقليل الهدر.

هذه هي النقطة الأساسية في جهود السعودية منذ انطلاقة رؤية 2030، وهي نابعة من المسؤولية الاجتماعية العالمية نحو البيئة والحفاظ على المقدرات والموارد، وقدمت الرؤية في برامجها تعهدات في هذا المسار تمثلت في تحسين أنماط الاستهلاك، وتعزيز الطاقة المتجددة، بالتزامن مع جهود بيئية أخرى مثل التشجير وحماية المناطق البيئة الأشد تضررا، وفي شأن تعديل أسعار الطاقة فقد انتهجت السعودية نهجا متوازنا منذ اطلاق هذه الحزم عام 2016.

وكان الهدف من هذا النهج المتوازن الوصول بأسعار الطاقة والموارد المائية إلى المستويات العالمية المتفق عليها في المعاهدات الدولية دون إحداث صدامات اجتماعية أو تأثير في نمو الاقتصاد بسبب تأثير التضخم أو أسعار الفائدة على دخل المواطن، هذا النهج الذي بدأ 2016  كما أشرت حيث رُفعت أسعار عدد من منتجات الطاقة، وشمل ذلك البنزين والديزل والكهرباء، كما ارتفعت بعض تعرفة الخدمات المرتبطة بالطاقة والمياه وبنسب وصلت إلى نحو 80% لبعض المنتجات.

ولأن الهدف الأساس هو ترشيد استهلاك الطاقة وليس رفع أسعار المعيشة على المواطن فإن الدعم الذي كان موجها سابقا للأسعار تم استبداله بالدعم الموجه للدخل المباشر فتم في تلك المرحلة استهداف الفئات الأكثر تعرضا للانكشاف بالدعم المباشر من خلال حساب المواطن، ثم تعدلت الأسعار بصورة هادئة في نهج متوازن أكثر مرة للوصول إلى الهدف مع تنامي تحسن السلوك الاستهلاكي بشأن استخدام الطاقة والمصادر المائية، وتحسن آليات الدعم الموجه.

وصدرت عدة تنظيمات ومراكز مراقبة متزامنة مع هذه الإستراتيجية. وبالأمس القريب صدرت تعديلات جديدة في تعرفة الخدمات الكهربائية والمياه وجاءت التعديلات كما هو معهود مدروسة بعناية وفقا شرائح متعددة، وفي الوقت نفسه صدرت أوامر ملكية بزيادة الدعم الموجه للدخل مباشرة لكونه أكثر شمولا هذه المرة فلم يقتصر على فئات معينه، بل شمل دعم موظفي الدولة (المدنيين والعسكريين) ببدل مباشر قدره 500 ريال، وكذلك تم مع المتقاعدين ومستفيدي التأمينات والضمان الاجتماعي، وفي القطاع الخاص تم تعديل الحد الأدنى للرواتب ليصل إلى 6 آلاف ريال.

إذا نحن أمام نهج ومخطط إستراتيجي نسير عليه بحزم وعزم منذ انطلاقة الرؤية  السعودية  2030، ورسالة موجهه للداخل وللعالم أن الرؤية السعودية ما زالت هي المحرك الأساسي للقرارات الإستراتيجية، وأن السعودية ملتزمة بما تعهدت به بشأن الإصلاح وتعديل أسعار بعض منتجات الطاقة تدريجياً بهدف تقليص الفجوة بين الأسعار المحلية والأسعار المرجعية، مع حماية المواطن من خلال التعويض النقدي المباشر، فالميزانية العامة في مسارها الإستراتيجي في الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المستحق؛ من دعم عام قد يؤدي إلى الهدر، إلى دعم أكثر عدالة وكفاءة واستهدافاً، يوازن بين حماية المواطن وتحقيق الاستدامة المالية والبيئية على المدى الطويل.

كما أن الإستراتيجية الوطنية للمياه تربط بين إصلاح التعرفة وتحسين الاستدامة المالية للقطاع، وتقليل الفاقد، ورفع جودة الخدمة، فالتحول يشمل أيضاً برامج كفاءة الاستهلاك، مثل تحسين كفاءة المباني والأجهزة، وترشيد استخدام المياه، وتقليل الفاقد في الشبكات، وتشجيع تقنيات الري الأكثر كفاءة. هنا يتحول الدعم من تمويل الاستهلاك المرتفع إلى تمويل أو تحفيز الكفاءة والاستدامة.

وإذا كانت هذه الإصلاحات قد جاءت في مسارها الإستراتيجي الطبيعي المخطط له متزامنة مع الأحداث العالمية والتطورات الجيوسياسية في المنطقة، فإن هذا يزيدنا قناعة وتمسك بالرؤية السعودية  2030، وأنها دائما تسبق الأحداث العالمية وتأتي نتائجها داعمة لنا ولاقتصادنا دون تعرض المجتمع والموطن لضغوط جسيمة أو كردة فعل غير مدروسة.

 وهذا النهج المخطط النابع من الرؤية حدث مرات عدة سابقة فمثلا خلال أزمة كورونا كانت السعودية في حالة اقتصادية مستقرة برغم توقف إمدادات الطاقة العالمية تماما، ومع ذلك فقد كانت الحكومة السعودية قادرة على دعم المواطنين بحزم ضخمة من الدعم الذي ساعد على تجاوز المرحلة بسلام، كل ذلك كان بفضل الله أولا ثم بفضل التخطيط الجيد للتنويع الاقتصادي الذي قدم حلولا مالية في وقت مناسب.

 وهكذا الحال اليوم فمع الظروف الراهنة التي جعلت السعودية في خضم الأحداث العالمية المعقدة إلا أن ذلك لم ينعكس سلبا على الميزانية العامة بل حققت نموا قياسيا في المصروفات وفي الإيرادات ومن المتوقع أن يصل النمو إلى 12.8 % في 2027، وهذا يوضح بجلاء أن التعديلات التي شهدتها أسعار الطاقة والتعريفات هي نهج إستراتيجي منظم مخطط له بعناية من أجل تحفيز الكفاءة والاستدامة لمواجهة التغيرات العالمية ومقابلة المسؤولية الاجتماعية والبيئية نحو استهلاك الموارد معالجة الاحترار العالمي المتزايد.

أكاديمي وباحث اقتصادي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية