الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

نظام التسعير الديناميكي للتذاكر ساعد الاتحاد على تعظيم الإيرادات رغم الجدل حول عدالته وشفافيته

أكثر من 70 ألف متفرج حضروا مباراة نيوزيلندا وإيران فيما ارتفعت أسعار التذاكر قبل المباراة 23%

فوز الولايات المتحدة في مباراتها الافتتاحية أدى إلى قفزة كبيرة في الطلب على تذاكر مباريات المنتخب المضيف

توسعة البطولة إلى 48 منتخباً أتاحت ظهور منتخبات تجاوزت التوقعات

الخلاصة

شهدت مباراة نيوزيلندا وإيران في 15 يونيو حضور أكثر من 70 ألف مشجع في ملعب "سوفي ستاديوم" بلوس أنجلوس، مع ارتفاع أسعار التذاكر بنسبة 23% قبل المباراة. نظام التسعير الديناميكي لـ"فيفا" أسهم في تحقيق إيرادات قياسية، رغم الانتقادات، ما يجعل كأس العالم 2026 الأكبر والأكثر ربحية في التاريخ. كان من المستبعد تماماً أن يحتشد أكثر من 70 ألف مشجع في ملعب "سوفي ستاديوم" بلوس أنجلوس مساء يوم اثنين لمتابعة مباراة بين نيوزيلندا وإيران.

لكن هذا ما حدث بالضبط في 15 يونيو. والأكثر إثارة للدهشة أن أسعار التذاكر قفزت بنسبة 23% خلال الأيام الثلاثة الأخيرة قبل انطلاق المباراة، ما رفع الحد الأدنى لسعر الدخول على منصات إعادة البيع إلى 420 دولاراً.

كل ذلك لمباراة بين دولة منخرطة في صراع عسكري مع الولايات المتحدة وأخرى لا يتجاوز عدد سكانها 5 ملايين نسمة على الجانب الآخر من الكوكب. ولم يسبق لأي من المنتخبين أن تجاوز دور المجموعات في كأس العالم، لكنهما قدما تعادلاً مثيراً بنتيجة 2-2.

هذه القفزة السعرية جاءت نتيجة الحمى الجماعية التي انطلقت شرارتها مع أكبر حدث رياضي في العالم. فبمجرد أن بدأت الكرة بالدوران، تراجعت إلى الخلفية كثير من المخاوف التي سبقت البطولة، من الحرارة ومشكلات النقل إلى النزعة التشاؤمية الحتمية لدى بعض المعلقين.

وبعد أسبوع واحد فقط، أصبح المشجعون مهووسين بالبطولة، وتمتلئ الملاعب إلى حد كبير، وتحطم المشاهدات التلفزيونية الأرقام القياسية، بينما ترتفع أسعار التذاكر في سوق إعادة البيع مع تزايد حماس الجماهير. لا يظهر ذلك في أي مكان أكثر مما يظهر مع المنتخب الأمريكي. فبعد أشهر من معاناة المنظمين في بيع تذاكر مبارياته، قفزت الأسعار بشكل هائل عقب الفوز الكبير الذي حققه الأمريكيون في مباراتهم الافتتاحية أمام باراغواي.

كيف رفعت الحمى الجماهيرية أسعار تذاكر المونديال؟

رغم صعوبة الإقرار بذلك، فإن هذا يمثل تبرئة كبيرة لـ"فيفا" ولنظام التسعير الديناميكي الذي تعرض لانتقادات واسعة. فهو يساعد الهيئة الحاكمة لكرة القدم على تحقيق إيرادات قياسية في سعيها للوصول إلى 13 مليار دولار خلال الدورة الممتدة لـ4 سنوات والتي تنتهي مع هذه البطولة.

قد لا يكون النظام عادلاً أو شفافاً، كما أنه يمثل محاولة واضحة لجني الأموال على حساب الروح الشعبية التي جعلت كرة القدم اللعبة الأجمل والأكثر مساواة في العالم. لكنه يثبت فاعلية استثنائية في تعظيم الأرباح من كأس العالم، أكبر آلة لصناعة النقود لدى "فيفا". "فيفا" التي هي منظمة غير ربحية بالاسم فقط، تستنزف المشجعين والمدن المستضيفة والشركاء حتى آخر دولار. يا للمفاجأة. 

وإذا كان لا يزال هناك من يشك في أن كرة القدم ليست منارة أخلاقية بل مشروعاً تجارياً ضخماً في جوهرها، أي تجارة الشغف بحد ذاتها، فما عليه سوى النظر إلى هذه النسخة العملاقة من كأس العالم: 48 منتخباً، و16 مدينة مستضيفة، و3 دول. كل شيء أكبر وأحدث وأكثر ربحية. وعندما يظل الطلب متفوقاً على العرض بهذا الفارق الكبير، فإن التسعير الديناميكي يقود حتماً إلى أسعار فلكية للتذاكر. لهذا السبب احتاجت "فيفا" إلى إقامة كأس العالم في الولايات المتحدة، أكبر سوق ترفيهية في العالم، مع قيام المكسيك وكندا بأدوار مساندة. 

وقد يبدو طرح أكثر من 6 ملايين تذكرة للبيع رقماً ضخماً، لكنه ليس كذلك عندما تكون نحو 35% من الثروة الخاصة العالمية متركزة في الولايات المتحدة، التي تضم أيضاً أكبر عدد من المهاجرين وجاليات من مختلف دول العالم تقريباً.

وعندما تضيف إلى ذلك عشاق اللعبة الأثرياء والمشجعين المتحمسين القادمين من الخارج، يصبح حتى لقاء الأردن ضد النمسا في سان فرانسيسكو مساء يوم ثلاثاء قادراً على جذب نحو 70 ألف متفرج. أما تذاكر مباراة الرأس الأخضر ضد السعودية في 26 يونيو فأصبحت تُباع الآن مقابل 600 دولار في سوق إعادة البيع بعدما هبط سعرها في إحدى المراحل إلى 8 دولارات فقط.

كأس العالم الأكثر ربحية في التاريخ؟

ليس في قول ذلك ما يدعو إلى السرور، فبعد أشهر من المحاولات الفاشلة وساعات لا تحصى في محاولة شراء التذاكر بسعرها الرسمي، اضطررت أخيراً إلى تقبل الحقيقة القاسية: هذا كأس عالم باهظ التكاليف. وبغض النظر عن حيل "فيفا" في بيع التذاكر، فإن الأسعار تظهر في النهاية طلباً هائلاً. وأمام خيار الاكتفاء بالمشاهدة من المنزل، انتهى بي الأمر إلى دفع مبلغ غير معقول مقابل امتياز مشاهدة الأرجنتين وهي تدافع عن لقبها في دالاس.

يجب أن أعترف بشيء غريب: شعرت بالاشمئزاز من نفسي في اللحظة التي ضغطت فيها زر الشراء، وما زلت أندم، ولو قليلاً، على أن شغفي تغلب على كل ما تبقى لدي من منطق مالي.

ما يخفف وطأة ذلك هو الأمل في تمكن ليونيل ميسي من تكرار الثلاثية الاستثنائية التي أهداها للأرجنتين وللعالم مساء الثلاثاء؛ فمثل هذه اللحظات لا تقدر بثمن حقاً.

شهدنا بالفعل الكثير منها في هذه النسخة من كأس العالم، من التعادل التاريخي للرأس الأخضر أمام المرشح الأبرز للبطولة إسبانيا، إلى الجماهير الاسكتلندية التي أشعلت الأجواء في بوسطن، وتحول تايمز سكوير إلى ملاذ كروي.

هذه هي التكلفة الخفية لأغلى نسخة من كأس العالم على الإطلاق..

وهذا بالضبط ما يمنح "فيفا" ورئيسها كثير الظهور جياني إنفانتينو القوة السوقية اللازمة لاستنزاف عملائهم. وكما لدى الفاتيكان سلطته الدينية، تمتلك "فيفا" حرية مطلقة لاستخراج كل ربح ممكن من السذج -عفواً، أقصد المشجعين- أمثالي، الذين لا يهمهم في نهاية المطاف سوى الحصول على نصيب من المجد فوق أرض الملعب.

هل يواجه "فيفا" رد فعل جماهيري؟

من الإنصاف القول إن "فيفا"، رغم كونها منظمة عالمية يعشق الجميع انتقادها، بارعة للغاية في ما تفعله. فعلى سبيل المثال قرار التوسع إلى 48 منتخباً في نسخة هذا العام، وهو قرار تعرض لانتقادات كبيرة، وبعضها مبرر، بحجة أنه سيضعف جودة المنافسة. لكن الواقع يقول إننا كنا سنفقد بالفعل فرصة مشاهدة عديد من المنتخبات الأقل حظاً وهي تتجاوز التوقعات.

أضف إلى ذلك الإيقاع السريع للعبة بفضل تعديلات القوانين في الوقت المناسب، وجودة النقل التلفزيوني المتميزة باستمرار، وعامل النجومية، وستكون النتيجة بطولة تزخر بالإثارة.

ولا يزال علينا أن نرى ما إذا كانت أساليب "فيفا" المتشددة ستؤدي في النهاية إلى تمرد جماهيري. وبالتأكيد توجد أسباب كثيرة للشكوى تتجاوز استغلال أسعار التذاكر: من المعاملة غير الرياضية للمنتخب الإيراني، إلى فترات التوقف الإلزامية المبالغ فيها لشرب المياه، وصولاً إلى احتمال تدخل الرئيس دونالد ترمب في مراسم تسليم الكأس، وكل ذلك تحت أنظار "فيفا". وبالتأكيد يمكن لكل شخص أن يضيف قائمة شكاواه الخاصة.

مع ذلك، تبدو هذه البطولة في طريقها لأن تكون نسخة تاريخية من كأس العالم، وربما البطولة الأعظم بين جميع نسخ كأس العالم. لذا توقفوا عن التذمر، واضبطوا شاشاتكم، واستمتعوا بالرحلة.

مدير تحرير بلومبرغ نيوز لشؤون الاقتصاد والحكومة في أمريكا اللاتينية.

خاص "بلومبرغ"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية