محمد الماضي
على مدى عقود، ارتبط اسم أرامكو السعودية بالنفط بوصفها أكبر شركة منتجة له في العالم. غير أن التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية تشير إلى أن مستقبل أرامكو لم يعد يُقاس فقط بحجم إنتاج النفط، بل بقدرتها على إعادة صياغة دورها في منظومة الطاقة العالمية. وفي هذا السياق، يبرز الغاز بوصفه أحد أهم محاور هذه المرحلة الجديدة.
فمع التغييرات في الطلب العالمي على الطاقة وتزايد الضغوط البيئية على الوقود الأحفوري، بدأت شركات الطاقة الكبرى في إعادة ترتيب أولوياتها. ولم يعد التركيز منصبًا فقط على إنتاج النفط، بل على بناء منظومة متكاملة تشمل الغاز والتكرير والبتروكيميائيات وسلاسل القيمة الصناعية المرتبطة بالطاقة.
وفي هذا الإطار، تتجه أرامكو إلى توسيع دور الغاز في استراتيجيتها طويلة المدى. فالشركة تستهدف رفع طاقة إنتاج غاز البيع بنحو 80% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات 2021، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا للدور الذي يمكن أن يلعبه الغاز في مزيج الطاقة العالمي خلال العقود المقبلة.
ويبرز مشروع حقل الجافورة للغاز غير التقليدي كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية في هذا التوجه، إذ من المتوقع أن يصل إنتاجه بحلول عام 2030 إلى نحو ملياري قدم مكعبة قياسية يوميًا من غاز البيع، إضافة إلى كميات كبيرة من الإيثان والسوائل عالية القيمة. ويُتوقع أن يسهم هذا المشروع في دعم الصناعات المحلية والبتروكيميائيات، إلى جانب تعزيز إمدادات الطاقة.
كما أن توسع أرامكو في قطاع الغاز لا يقتصر على تطوير الحقول، بل يشمل أيضًا بناء بنية تحتية متكاملة لمعالجة الغاز. ففي 2025 بدأت الشركة تشغيل معمل الغاز في رأس تناقيب، الذي يضيف نحو 2.6 مليار قدم مكعبة قياسية يوميًا من طاقة معالجة الغاز الخام القادم من حقلي المرجان والظلوف البحريين. كما يتواصل العمل على توسعة معمل الغاز في الفاضلي، التي يُتوقع أن تضيف نحو 1.5 مليار قدم مكعبة قياسية يوميًا من طاقة المعالجة بحلول 2027.
وفي الوقت نفسه، تعزز أرامكو نموذج التكامل عبر سلسلة القيمة الكاملة للطاقة. ففي 2025 استخدم قطاع التكرير والكيميائيات والتسويق نحو 53% من إنتاج النفط الخام، في مؤشر واضح على توجهها نحو تعظيم القيمة الاقتصادية من مواردها بدلًا من الاكتفاء بتصدير النفط الخام.
كما تسعى أرامكو إلى توسيع حضورها في الأسواق العالمية، خصوصًا في آسيا التي تمثل أسرع مناطق العالم نموا في الطلب على الطاقة. فاستثماراتها في مشاريع التكرير والبتروكيميائيات في الصين، إضافة إلى توسعها في قطاع البيع بالتجزئة للوقود في بعض الأسواق الآسيوية، تعكس استراتيجية تهدف إلى تعزيز حضورها في الأسواق النهائية للطاقة.
وفي ظل التوترات الجيوسياسية في المنطقة، يكتسب استقرار إنتاج أرامكو أهمية خاصة، ليس فقط للاقتصاد السعودي، بل أيضًا لتوازن أسواق الطاقة العالمية، حيث تُعد الشركة أحد أهم عوامل الاستقرار في سوق النفط.
في المحصلة، إذا كان النفط قد شكّل الأساس الذي بُنيت عليه مكانة أرامكو في القرن الماضي، فإن المرحلة المقبلة تبدو أكثر ارتباطًا بالغاز والتكامل الصناعي. ففي عالم تتغير فيه قواعد أسواق الطاقة، لم يعد التحدي الأكبر هو حجم الإنتاج وحده، بل القدرة على تحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية وصناعية أوسع.
ومن هذا المنظور، فإن رهان أرامكو على الغاز لا يبدو مجرد خيار، بل يعكس تحوّلًا استراتيجيًا ينسجم مع تحولات سوق الطاقة العالمية.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
