أدريان وولدريدج
@adwooldridge
ربما يكون ترمب قد فتح باب عصر إذلال أوروبا إلا أن ساستها هم من صنعوه عبر العقود.
الخلاصة
شهدت أوروبا تاريخاً حافلاً بالقوة والابتكار، لكنها اليوم تواجه تراجعاً في مكانتها العالمية بسبب ضعف قيادتها السياسية، وتراجع اقتصادها، وتصاعد النزعات الشعبوية، وتحديات أمنية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو. أوروبا أصبحت متلقية للتاريخ بدلاً من صانعه، مع حاجة ملحة لإصلاحات جذرية للحفاظ على دورها وتأثيرها العالمي.
.
شهدت أوروبا عصوراً متباينة الملامح عبر تاريخها الحافل بدءاً من عصر الاكتشاف الذي تلته حقبة العقل والمنطق، ثم زمن التوسع الذي تلاه زمن الدمار، وصولاً إلى عصر الاتحاد. وها هي الآن تلج عصر الإذلال.
قد يبدو صراع أوروبا مع دونالد ترمب حول إمكانية شراء الولايات المتحدة لجزيرة جرينلاند من الدنمارك بالقوة أمراً غريباً، لكنه يندرج ضمن نمط أوسع. تتحرك الولايات المتحدة (أو الصين) وأوروبا تردّ، ثم تتخذ الولايات المتحدة (أو الصين) خطوة حاسمة، بينما يتردد الاتحاد الأوروبي ويناقش.
الأسبوع الماضي، انتابت النخب الأوروبية حالة هلع إزاء تهديدات ترمب باستخدام القوة أو فرض رسوم جمركية للسيطرة على جرينلاند، ليعود ترمب بعدها ويدّعي أنه أبرم اتفاقاً مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو" مارك روته، وهو اتفاق كان مطروحاً منذ فترة.
هدأت العاصفة الآن إلى أن ينشغل ترمب بأمر آخر، أو يقرر أن صفقة جرينلاند عملية احتيال، وعندها ستضطر أوروبا للرد على استفزازات خارجية مرة أخرى.
قوة مهيمنة تاريخياً ومحرك ابتكار.. ما الذي اعتراها؟
منذ القرن الخامس عشر فصاعداً، كانت أوروبا القوة المهيمنة في تاريخ البشرية، تارةً للخير (عصر النهضة والمُثل الليبرالية)، وتارةً للشر (النازية والشيوعية)، ولكن دائماً ما كانت لها عواقب غيرت وجه العالم. ابتكر الأوروبيون التقنيات الأساسية للعصر الحديث، من المطبعة إلى المحرك البخاري، فضلاً عن الأفكار السياسية المحورية.
فرض الأوروبيون إرادتهم على بقية العالم من خلال الإمبريالية والاستعمار، فصدّروا أكثر من 60 مليون شخص بين عامي 1600 و1950، ليخلّفوا أماكن مثل إسبانيا الجديدة، وإنجلترا الجديدة، وفرنسا الجديدة، وكاليدونيا الجديدة، وأمستردام الجديدة. ثلثا الأعضاء الحاليين في الأمم المتحدة كانوا ينتمون إلى إمبراطوريات أوروبية في مرحلة ما من تاريخهم.
مع ذلك، رغم دبلوماسية السفن الحربية، انتصرت أوروبا بالجاذبية والإكراه معاً. تبنت المستعمرات رياضات أوروبية (بريطانية في الغالب) مثل الجولف والتنس والكريكيت وكرة القدم. وأمر أتاتورك الأتراك بالتخلي عن الطربوش لمصلحة القبعة الأوروبية. استوحى جواهر لال نهرو تصميم برلمان الهند المستقلة حديثاً من البرلمان البريطاني، حتى في تفاصيل وجود رئيس للبرلمان.
كادت أوروبا أن تحرق نفسها في الحربين الأكثر تدميراً في التاريخ الحديث. حربان بدأتا في قلب أوروبا وامتدتا إلى العالم. مع ذلك، بعد انقشاع غبار الحرب، ظلت أوروبا في قلب الصراع الكبير بين الرأسمالية والشيوعية.
كما انخرطت أوروبا في تطهير ذاتي غير مسبوق، خالقةً نمطاً جديداً من السياسة والمجتمع: دولة ما بعد القومية، واقتصاد مختلط يوفر لجميع مواطنيه مزايا وعطلات سخية. في 2005، لخّص مارك ليونارد حالة الابتهاج التي أعقبت إنشاء اليورو في كتابه "لماذا ستسيطر أوروبا على القرن الحادي والعشرين؟".
أوروبا نبتة في أصيص
يمكننا أن نودّع كل ذلك، إذ بات الأوروبيون اليوم متلقّين للتاريخ لا صانعين له. لقد تحوّل الفاعل الرئيسي في الشؤون العالمية لـ5 قرون إلى مجرّد متفرّج، ومحرك رئيسي للتغيير التاريخي، إلى مجرّد نبتة في أصيص. فقد أدرك قادة أوروبا المتأخرين مدى عجزهم.
يجادل بيروقراطيو الاتحاد الأوروبي بأنهم مطالبون بإثبات استحقاق مكانهم على طاولة المفاوضات لتجنّب أن يصبحوا مجرد أدوات في يد الآخرين. يخشى إيمانويل ماكرون من أن أوروبا إما أن تُصلح أو تندثر.
في تقرير لاذع صدر 2024، قال ماريو دراجي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، إنه بدون تغيير جذري، "سنصبح حتماً أقل ازدهاراً، وأقل مساواةً، وأقل أماناً، وبالتالي أقل حرية في اختيار مصيرنا". لكن الحقيقة هي أن فرص الإصلاحات الجريئة ربما تكون قد تلاشت.
القيادة السياسية الأوروبية إما غير مؤثرة (فريدريش ميرتس) أو منهكة (ماكرون) أو كليهما (كير ستارمر). أهدرت أنجيلا ميركل، آخر زعيمة كان لديها فرصة حقيقية لتمرير إصلاحات جذرية، سنوات حكمها الـ16 في اتباع واحدة من أكثر السياسات ضلالاً في العقود الأخيرة، ألا وهي استيراد الطاقة الرخيصة من روسيا لبيع السلع المصنعة، وخاصة آلات التصنيع، إلى الصين.
تصدعات القارة العجوز
اليوم، تعاني السياسة من شلل تام، فالمفوضية الأوروبية أصبحت بيروقراطية جامدة، والوسط السياسي يتفكك، واليمين الشعبوي يزحف في كل مكان، حيث يحظى "التجمع الوطني" الفرنسي نحو 33% من الأصوات في استطلاعات الرأي، بينما يحظى حزب "البديل من أجل ألمانيا" الأكثر تشدداً 25%.
انخفضت حصة أوروبا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من أكثر من 30% عام 1995 إلى أقل من 20% اليوم. 4 شركات فقط من بين أكبر 50 شركة تقنية في العالم أوروبية، ولا يبدو أن هذا الوضع سيتغير قريباً، فبين عامي 2008 و2021، نقل ما يقرب من 30% من الشركات الأوروبية الناشئة التي تجاوزت قيمتها مليار دولار مقراتها الرئيسية إلى الخارج، غالبيتها العظمى أصبحت في الولايات المتحدة.
حتى الصناعات التقليدية التي تهيمن على الاقتصاد الأوروبي وتمويل البحث والتطوير تعاني. فأسعار الكهرباء في أوروبا أعلى بمرتين إلى 3 مرات من أسعارها في الولايات المتحدة والصين، وجيل جديد من السيارات الكهربائية الصينية الرخيصة على وشك أن يُلحق ضرراً بالغاً بأكبر صناعة تحويلية في أوروبا، وهي صناعة السيارات.
يقوّض الركود الاقتصادي ما تبقى لأوروبا من أمرين تعتبرهما مكانة لها في صنع التاريخ. مستوى المعيشة فيها وقوتها الفكرية. على أساس نصيب الفرد، نما الدخل الحقيقي المتاح في الولايات المتحدة منذ 2000 نحو ضعف ما نما في الاتحاد الأوروبي. ويضع تصنيف (QS) العالمي للجامعات 2026 خمس جامعات أوروبية فقط ضمن أفضل 30 جامعة، 4 منها في إنجلترا.
لقد عقدت أوروبا سلسلة رهانات كبيرة باءت بفشل ذريع. راهنت على الطبيعة السلمية لكل من روسيا والصين، لكن تبين أن كلتيهما عدائيتان. راهنت على حرية التنقل، ثم ضاعفت رهانها في 2016 عندما استقبلت أنجيلا ميركل زهاء 300 ألف لاجئ سوري. لكن الجمع بين الهجرة الكثيفة وحرية التنقل دفع بريطانيا إلى مغادرة الاتحاد الأوروبي، مسجلةً بذلك أول انكماش للمنظمة منذ تأسيسها، وأجّج صعود الشعبوية.
حلف شمال الأطلسي على المحك
رهان أوروبا على استعداد الولايات المتحدة لتحمل نحو ثلثي تكلفة حلف الناتو إلى الأبد يتلاشى. أظهر السياسيون الأوروبيون جرأة غير مسبوقة في إدانتهم لترمب في دافوس هذا الأسبوع. فقد حذر ماكرون من "نهج استعماري جديد".
وحث رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر الأوروبيين على الدفاع عن "كرامتهم". لكن ماذا كان بإمكان أوروبا فعله لو لم يتراجع ترمب؟ هل كان من الممكن تحويل التصريحات القوية إلى أفعال قوية؟ إن الأوروبيين أكثر عرضة للخسارة من أمريكا جراء انهيار حلف الناتو، تماماً كما أنهم أكثر عرضة للخسارة جراء حرب الرسوم الجمركية.
إن رهان أوروبا الكبير الآخر، على متانة السوق الحرة، يتجه أيضاً نحو الفشل. فالاقتصاد الأوروبي هو الأكثر انفتاحاً على العالم، إذ تتجاوز نسبة تجارته إلى الناتج المحلي الإجمالي 50% مقارنة مع 37% في الصين و27% في الولايات المتحدة. وهو أيضاً الأكثر عرضة للرياح المعاكسة الدولية، إذ تستورد أوروبا حوالي 40% من وارداتها من عدد محدود من الموردين؛ ويأتي نصف هذه الواردات تقريباً من دول يُحتمل أن تكون معادية (وهذا لا يشمل الولايات المتحدة).
مع تصاعد الحمائية، وانتشار النزعة التجارية، وأرجحة ترمب العشوائية لحدود الرسوم الجمركية، واشتعال الصراعات في كل مكان، باتت أوروبا في وضع حرج جداً.
رغبة الخيار السهل أضعفت أوروبا
كان الدافع وراء كل هذه الرهانات هو الرغبة في الخيار الأسهل. دأب الأوروبيون إما على الادعاء بعدم وجود مقايضات صعبة (بين حماية البيئة أو النمو، على سبيل المثال)، أو تأجيل القرارات الصعبة (مثل تمويل الدفاع) إلى أجل غير مسمى.
لا أحد مكروه في الاتحاد الأوروبي أكثر من بوريس جونسون. لكن شعار جونسون "الحصول على كل شيء" يُجسد ضعف أوروبا.
إن تهميش أوروبا مأساة. تتبنى أوروبا مجموعة من المبادئ (التعاون العالمي، والليبرالية العالمية، واتخاذ القرارات بهدوء) التي يحتاجها العالم بشدة.
مع ذلك، فقد جلبت أوروبا على نفسها هذه المأساة بتقصيرها في الاستثمار في القوة العسكرية، وسماحها للمشاعر الإنسانية بسحق الحيوية الاقتصادية. إن فرص أن تنتج قارة مليئة بالشخصيات السياسية المتشابهة جيلاً جديداً من أمثال شارل ديجول أو ونستون تشرشل ضئيلة جداً.
قال المؤرخ أ. ج. ب. تايلر ذات مرة إن أوروبا أنتجت من التاريخ أكثر مما تستطيع استهلاكه، لذلك فهي مُلزمة بتصديره إلى الخارج. أما اليوم، فيبدو أن أوروبا محكوم عليها بإنتاج تاريخ أقل مما تستطيع استهلاكه، وأن تقف مكتوفة الأيدي بينما تشكّل دول أقوى المستقبل.
كاتب عمود الأعمال العالمية ـ رأي بلومبرغ
خاص بـ " بلومبرغ"
