الثلاثاء, 18 أغسطس 2026|4 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

أصبح جذب الاستثمار الأجنبي المباشر أحد أهم محاور التحول الاقتصادي في المملكة العربية السعودية الهادفة إلى تنويع مصادر الدخل ورفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد. ولم يعد الاستثمار الأجنبي يُنظر إليه باعتباره مجرد تدفقات مالية تدخلها، بل أصبح أداة لنقل المعرفة والتقنية، وتطوير الصناعات، وخلق الوظائف، وربط الاقتصاد السعودي بسلاسل القيمة العالمية.

وقد اتخذت المملكة خلال السنوات الأخيرة خطوات كبيرة لتحسين البيئة الاستثمارية، كان من أبرزها نظام الاستثمار المحدث الذي أعاد تنظيم الإطار النظامي للاستثمار ليشمل المستثمر المحلي والأجنبي، ويؤكد مبدأ المساواة في المعاملة، وحماية حقوق المستثمر، وتسهيل تأسيس الاستثمارات والخروج منها.

تتمثل أولى نتائج دعم الاستثمار الأجنبي في زيادة القدرة الاستثمارية للاقتصاد السعودي. فدخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى السعودية يعني إضافة مصادر جديدة لتمويل المشاريع، خصوصاً المشاريع التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة أو تقنيات متقدمة أو خبرات عالمية.

وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للاستثمار رفع حجم الاستثمارات في السعودية وزيادة دور القطاع الخاص المحلي والأجنبي في النمو الاقتصادي. كما تستهدف رفع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر السنوية من نحو 17 مليار ريال في 2019 إلى 388 مليار ريال بحلول 2030.

وهذا الهدف يعكس تحولاً مهماً في النظرة إلى الاستثمار الأجنبي؛ فالمطلوب ليس جذب الأموال فقط، وإنما جذب الاستثمارات التي تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد وتدعم القطاعات ذات الأولوية.

وتحدد الاستراتيجية الوطنية للاستثمار عدداً من القطاعات ذات الأولوية، من بينها الطاقة الخضراء، والتقنية، والرعاية الصحية والتقنيات الحيوية، والتنقل المتقدم والخدمات اللوجستية، إضافة إلى الشركات الناشئة وريادة الأعمال.

وبالتالي، فإن الاستثمار الأجنبي يمكن أن يؤدي دوراً مزدوجاً: توفير رأس المال من جهة، والمساعدة في بناء قطاعات اقتصادية جديدة من جهة أخرى.

ربما يكون نقل التقنية أحد أهم الآثار طويلة الأجل للاستثمار الأجنبي. فعندما تدخل شركة عالمية إلى السوق السعودية، فإنها لا تجلب الأموال فقط، وإنما تجلب معها أنظمة تشغيل وإدارة، وتقنيات إنتاج، ومعايير جودة، وخبرات متخصصة.

ومع مرور الوقت يمكن لهذه المعرفة أن تنتقل إلى الشركات السعودية من خلال الشراكات، وسلاسل الإمداد، وتوظيف الكفاءات الوطنية، وبرامج التدريب.

وهنا تظهر أهمية أن يكون الاستثمار الأجنبي مرتبطاً بالإنتاج والتطوير وليس بمجرد النشاط التجاري قصير الأجل. فكلما ارتفعت نسبة المكون المحلي في الاستثمار، زادت فائدته للاقتصاد الوطني.

يمثل توليد الوظائف أحد الأهداف التي يؤكد عليها نظام الاستثمار المحدث، الذي ينص على أن تطوير البيئة الاستثمارية يساهم في التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل.

ولا تقتصر أهمية الاستثمار الأجنبي على عدد الوظائف التي يوفرها مباشرة، بل تمتد إلى الوظائف غير المباشرة التي تنشأ حول المشروع. فمصنع أجنبي، على سبيل المثال، يحتاج إلى موردين محليين، وشركات نقل، وخدمات صيانة، واستشارات، وتقنية، ومحاسبة، وخدمات قانونية وغيرها.

ومن هنا يمكن أن يتحول المستثمر الأجنبي إلى محرك لسلسلة اقتصادية كاملة، وليس مجرد شركة تعمل داخل السعودية. قد يؤدي دخول الشركات العالمية إلى رفع مستوى المنافسة في السوق المحلية، وهو أمر قد يمثل تحدياً للشركات السعودية في المدى القصير، لكنه قد يكون عاملاً إيجابياً على المدى الطويل.

فالمنافسة تدفع الشركات إلى تحسين الإنتاجية، وخفض التكاليف، وتطوير المنتجات والخدمات، والاستثمار في التقنية والموارد البشرية. كما أن وجود الشركات العالمية في المملكة يمكن أن يفتح أمام الشركات السعودية فرصاً جديدة للدخول في سلاسل التوريد العالمية، خصوصاً إذا نجحت السعودية في زيادة المحتوى المحلي وربط المستثمرين الأجانب بالموردين المحليين.

لم يقتصر دعم الاستثمار الأجنبي على تقديم الحوافز، بل شمل تطوير الإطار النظامي نفسه. ويمنح نظام الاستثمار المحدث المستثمرين، في الظروف المماثلة، معاملة متساوية بين المستثمر المحلي والأجنبي، كما يوفر حماية للاستثمار وحقوق الملكية الفكرية، ويسهل الإجراءات الإدارية.

كما يسمح النظام للمستثمر بالاستثمار في أي قطاع أو نشاط متاح للاستثمار، مع مراعاة الأنشطة المقيدة أو المستثناة وفق الأنظمة ذات العلاقة. وهذه التحولات مهمة لأنها تعالج أحد أهم عوامل جذب المستثمر العالمي: وضوح القواعد واستقرار البيئة الاستثمارية وإمكانية توقع المخاطر.

يمكن للاستثمار الأجنبي أن يساهم أيضاً في إعادة توزيع النشاط الاقتصادي جغرافياً. فإذا تم توجيه الاستثمارات إلى المدن والمناطق الاقتصادية الجديدة، والمناطق الصناعية واللوجستية، فإن ذلك يساعد على خلق مراكز اقتصادية خارج النشاط التقليدي في المدن الكبرى.

كما أن المناطق الاقتصادية الخاصة والمشاريع الكبرى يمكن أن تصبح منصات لجذب الشركات العالمية، خصوصاً في المجالات التي تستهدفها المملكة ضمن خطط التنويع الاقتصادي.

الاستثمار الذي يعتمد بصورة كبيرة على الواردات، أو يحقق قيمة محلية محدودة، أو يحول معظم أرباحه إلى الخارج دون بناء قاعدة إنتاجية محلية، ستكون آثاره الاقتصادية أقل من استثمار ينشئ مصانع ومراكز أبحاث، ويستخدم الموردين السعوديين، ويوظف المواطنين، وينقل التقنية. لذلك ينبغي أن تنتقل السعودية تدريجياً من سياسة "جذب الاستثمار" إلى سياسة أكثر تطوراً تقوم على جذب الاستثمار النوعي.

المرحلة المقبلة من الاستثمار الأجنبي يجب أن تركز على قياس الأثر الاقتصادي الحقيقي للمشاريع. ويمكن تقييم الاستثمار من خلال مؤشرات مثل عدد الوظائف النوعية، وحجم الإنفاق المحلي، ونسبة المشتريات من الشركات السعودية، ونقل التقنية، والإنفاق على البحث والتطوير، وقيمة الصادرات التي ينتجها المشروع.

وهذا يضمن ألا يكون الاستثمار الأجنبي منافساً للاستثمار المحلي، وإنما شريكاً في تطويره.

كاتب اقتصادي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية