ديفيد فيكلينج
القيود على التجارة تمثل خطراً على الأمن الغذائي بعد وفرة لم يُسجل مثيل لها في تاريخ البشر
الخلاصة
عدد سكان العالم اليوم خمسة أضعاف 1900، مع توفر غذاء أكثر من أي وقت مضى بفضل تحسين الإنتاجية وترشيد استهلاك المياه والتجارة. لكن تغير المناخ أدى إلى تباطؤ نمو الإنتاج الزراعي منذ 2020، مع ركود غلات الحبوب والزيوت النباتية. استنزاف المياه الجوفية يهدد الأمن الغذائي، والتجارة الدولية تواجه تحديات سياسية وأمنية. ويبلغ عدد سكان العالم اليوم 5 أضعاف ما كان عليه 1900. ومع ذلك، تتمتع البشرية بغذاء أوفر من أي وقت مضى تقريباً في تاريخها.
يعزى هذا إلى ثلاثة تطورات رئيسية جعلت كوكبنا أكثر قدرة على مواجهة خطر المجاعة: تحسين الإنتاجية، وترشيد استهلاك المياه، والتجارة. لكن ما يثير القلق هو أن جميع هذه التطورات مهددة الآن.
كان أهم هذه التطورات هو ما أنقذ البشرية من الجوع بهدوء منذ الثورة الصناعية: الإنتاجية الزراعية. فعلى مر قرون، تمكن المزارعون من زيادة محاصيلهم من كل هكتار. وقد بدا الارتفاع المطرد في الإنتاجية أحياناً وكأنه قانون طبيعي أكثر من كونه إنجازاً. لكن هذا القانون الصارم قد ينهار تحت وطأة تغير المناخ. فقد نما الإنتاج الزراعي باستمرار بأكثر من 2% سنوياً على مدى 6 عقود، لكنه تباطأ منذ 2020 إلى 1.63%.
بلغت إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية - وهي مقياس لكفاءة النظام الغذائي، وليس الزيادة في المحاصيل الناتجة عن إضافة مزيد من الأراضي والمياه والأسمدة والعمالة والآلات - 0.76% خلال العقد الماضي، أي ما يزيد قليلاً على ثلث ما سنحتاجه لإطعام 10 مليارات نسمة في 2050.
أساسيات الغذاء العالمية لم تعد تنمو
يزداد الوضع سوءاً لدى النظر إلى بعض المحاصيل الفردية. فقد توقف نمو غلة الحبوب الرئيسية الثلاثة - الذرة والأرز والقمح - تقريباً خلال السنوات الخمس الماضية، وينطبق الأمر نفسه على الزيوت النباتية الرئيسية.
يظهر نمط مماثل في عدة محاصيل غذائية أساسية في المناطق الاستوائية التي تُسهم في إعالة مئات الملايين من سكان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، والمناطق الاستوائية في الأمريكتين، ومنطقة المحيط الهادئ. وقد عانت الكسافا واليام والموز ركودا طويلا الأمد في تحسين الإنتاجية.
في 2000، كان نحو 95% من الإنتاج الزراعي يأتي من محاصيل تشهد زيادةً سريعةً في غلتها، وفقاً لدراسة أُعدت العام الماضي. أما الآن، فتشكل المحاصيل التي تشهد ركوداً أو انخفاضاً في الغلة 23% من الإجمالي، ما يشير إلى أن كثيراً من النباتات تقترب من حدود إنتاجها القصوى.
استنزاف المياه الجوفية مقلق
أحد العوامل المحتملة وراء هذا الركود هو استنزاف مورد استغرق تراكمه آلاف السنين: المياه الجوفية. خلصت دراسة للأمم المتحدة في يناير إلى أننا تجاوزنا مرحلة "أزمة المياه" إلى مرحلة "نضوب المياه"، إذ يتجاوز سحب المياه من الأمطار والأنهار والآبار قدرة هذه الأنظمة على إعادة تغذية نفسها، ما يدفعنا حتماً نحو كارثة.
يشهد نحو 70% من طبقات المياه الجوفية في العالم انخفاضاً طويل الأمد، ما يهدد استدامة الأنظمة التي توفر نحو نصف مياهنا المنزلية و40% من مياه الري.
إن السعودية مثال تحذيري. في أوائل التسعينيات، فقد كانت لفترة وجيزة في المرتبة السادسة عالمياً في تصدير القمح، بفضل برنامج حكومي شجع على استخراج المياه الجوفية من الصحراء لتحسين الأمن الغذائي. منذئذ، انخفض إنتاج القمح بنحو 90%، نتيجة جفاف طبقات المياه الجوفية التي استغرقت آلاف السنين لتمتلئ.
تنتشر ضغوط مشابهة إلى المناطق الأفقر والأكثر اكتظاظًا بالسكان. في أجزاء من إقليم البنجاب الهندي، ينخفض منسوب المياه الجوفية بنحو نصف متر سنوياً. وقد ازداد عدد الآبار في البلاد، التي يزيد عمقها على 70 متراً للوصول إلى طبقات المياه الجوفية العميقة، بشكل سريع، من نحو 100 ألف بئر في أواخر الثمانينيات إلى 3.8 مليون بئر اليوم. ويبلغ عمق بعضها الآن تقريباً ارتفاع مبنى إمباير ستيت، أي 380 متراً.
أدى جفاف منسوب المياه الجوفية، الذي تعتمد عليه إيران لإطعام سكانها البالغ عددهم 93 مليون نسمة، إلى طرح مقترحات لنقل العاصمة طهران. وقد أسهمت حالات نقص المياه المتكررة في تفاقم انعدام الأمن الاقتصادي الذي غذّى الاحتجاجات الأخيرة.
لطالما أسهم ركن ثالث في إنقاذ الدول التي تعاني الجوع: التجارة. فمنذ ستينيات القرن الماضي، جاء جزء كبير من فائض العالم من الخصوبة الاستثنائية لنصف الكرة الغربي. وقد أسهمت سهول البامبا في الأرجنتين، وسيرادو في البرازيل، وبراري كندا في ذلك، لكن لم يلعب أي بلد دوراً أكبر من الولايات المتحدة.
هل انتهى عصر استيراد الماء على هيئة غذاء؟
احتوت صادرات الولايات المتحدة الصافية من الذرة والأرز والقمح والزيوت النباتية والسكر في 2024 على نحو 2.66 تريليون سعرة حرارية من الطاقة الغذائية، وهو ما يكفي لإطعام سكان أمريكا لمدة عام. ويمكن للكويت القاحلة استيراد "مياه افتراضية" متجسدة في محاصيل تُزرع على بُعد نصف الكرة الأرضية. ويمكن لليابان، التي تعاني محدودية الأراضي، استخدام التجارة للاستفادة من الأراضي الزراعية لدولة أخرى.
هذه هي النظرية. أما الخطر فيكمن في أن هذه الصورة المتفائلة تعكس حقبةً آخذةً في الزوال، حيث كان يُنظر إلى التجارة الدولية على أنها لعبة مربحة للجميع، وليست لعبةً ذات رابحين وخاسرين واضحين.
إن سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المحموم للحصول على عائدات التصدير أبقى صادرات المزارع الأمريكية بمنأى كبير عن فوضى الرسوم الجمركية التي شهدها العام الماضي. لكن لا يوجد ما يضمن استمرار هذا الوضع.
المنتجات الزراعية أداة في الحرب
وقد حاولت روسيا بالفعل استغلال هجماتها على صادرات الحبوب وزيت الطهي الأوكرانية كورقة ضغط بعد حربها 2022. وفي غزة ودارفور وإثيوبيا واليمن وناغورنو كاراباخ، استُخدمت القيود المفروضة على تجارة الغذاء لأغراض سياسية. إذا استمرت النزعة القومية المتطرفة في السياسة الأمريكية بعد ترمب، فلا تستغربوا أن تحذو الحكومات اللاحقة حذوها في التعامل مع محاصيلها.
إن التجويع من أقدم أدوات الإكراه السياسي. وفي عالمٍ أكثر فوضويةً وتضرراً بسبب المناخ، سيكون من السذاجة افتراض زوال هذه الأداة.
كاتب في بلومبرغ ويغطي السلع، والشركات الصناعية والاستهلاكية. مراسلًا لبلومبرغ نيوز، وداو جونز، وصحيفة وول ستريت جورنال، وفاينانشيال تايمز، والجارديان سابقا
خاص بـ "بلومبرغ"
