تدور رحى معركة استثنائية في قلب أوروبا ليس بالبارود هذه المرة، وإنما بالشفرات الرقمية والمنظومات التشريعية، بعدما أيقن الاتحاد الأوروبي أن السيادة الرقمية تتعدى مسألة الرفاهية الاقتصادية أو دعم الشركات الناشئة المحلية لتصبح قضية أمن قومي وجودي في عالم يدار بالبيانات.
هكذا، وجد التكتل الأوروبي نفسه في حالة "ارتهان رقمي" شبه كامل للخارج؛ فنحو 70% من خدمات الحوسبة السحابية والبنية التحتية الحيوية مستضافة على خوادم تديرها شركات أمريكية عملاقة، مثل: أمازون ومايكروسوفت وجوجل. يتعدى الأمر الشق البرمجي إلى العتاد الصلب وصناعة أشباه الموصلات التي تهيمن عليها الصين وتايوان.
أمام هذا الواقع الجيوسياسي القاسي الذي وضع القارة العجوز بين فكي الابتكار الاحتكاري للولايات المتحدة والتفوق التصنيعي للصين، لم تتوان تيريزا ريبيرا؛ المسؤولة عن المنافسة في المفوضية الأوروبية، عن التأكيد على ضرورة امتلاك القارة لزمام المبادرة، معتبرة أن "على أوروبا تطوير قدراتها الخاصة حتى لا تتأثر قراراتنا وقيمنا واقتصادنا بأي جهة أخرى".
في هذا السياق، كشفت المفوضية الأوروبية عن "حزمة السيادة التكنولوجية" (TSP)، بهدف الحد من الارتهان لشركات التكنولوجيا الأجنبية، عبر دعم البدائل الأوروبية وتعزيزها، سعيا لزيادة الحصة السوقية لمزودي الخدمات السحابية المحلية التي لا تتعدى نسبتها 15% في الوقت الراهن.
في مسعى لفك الارتهان للهيمنة الأمريكية والصينية، ترتكز الاستراتيجية الأوروبية على ثلاثة محاور سيادية كبرى: توطين صناعة أشباه الموصلات المتقدمة عبر قانون الرقائق ((Chips Act 2.0، وتوجه المؤسسات الأوروبية نحو الشركات المحلية للتزود بالخدمات السحابية، فضلا عن تبني استراتيجية المصادر المفتوحة (Open Source) في المنظومات الرقمية.
تجسيدا لخطوة استعادة السيادة الرقمية، قرر البرلمان الأوروبي استبدال محرك البحث جوجل بمحرك البحث الفرنسي كوانت (Qwant)، اعتبارا من 4 يونيو، ليكون أداة البحث الرسمية على الحواسيب الداخلية للمؤسسة، وذلك في سياق التزام البرلمان بتعزيز السيادة الرقمية وحماية البيانات الشخصية للمستخدمين.
من جهة أخرى، أثارت نتائج التحقيق الأوروبي موجة من الجدل إثر كشفها عن شبهات تورط شركة ميتا في ممارسات تضليلية تجاه مستخدميها، عبر ما يعرف بالأنماط المظلمة (Dark Patterns)، ما زاد من حدة التوترات الجيوسياسية الراهنة، وعزز الأصوات المنادية بضرورة تحقيق الاستقلالية في الفضاء الرقمي.
دفع هذا المشهد بروكسيل إلى تكثيف جهودها لتعزيز السيادة التكنولوجية، عبر دعم إطلاق بدائل سيادية قادرة على منافسة المنصات الأمريكية والصينية، على غرار منصة "W Social" السويدية، باعتبارها شبكة تواصل اجتماعي مستقلة ومحايدة ومفتوحة، توفر للأوروبيين فضاء لتبادل الآراء وحماية الديمقراطية.
بالتوازي مع ذلك، تتحرك القارة عبر مشاريع رقمية ضحمة تقودها شركات أوروبية، أبرزها مشروع "جايا-إكس" (Gaia-X) ليكون بديلا عن خدمات أمازون ومايكروسوفت، إضافة إلى دعم تطبيقات المراسلة الآمنة "ثريما" (Threema) و"إيليمنت ((Element للمراسلة.
بيد أن التحرك الأوروبي يواجه عقبات جمة، إذ تنقل هذه الاستراتيجية الطموحة القارة من موقع الشرطي التنظيمي للعالم الرقمي، حيث يكتفي برصد المخالفات وفرض الغرامات، إلى مهمة وظيفة المصنع والمستثمر السيادي في سوق التكنولوجيا المعقد.
اليوم، المحك الحقيقي ليس وجود رغبة سياسية لدى الأوروبيين، بقدر ما يتمثل في قدرتهم على التحول الفعلي إلى مبتكر ومصنع رقمي يمتلك مقومات المنافسة في حلبة عالمية لا ترحم الضعفاء. فإذا لم تقترن التشريعات الصارمة برؤوس أموال ضخمة، فقد يفوت قطار السيادة الرقمية لتصير مجرد متحف تنظيمي يملك أفضل القوانين لحماية بيانات مواطنيه، لكنه لا يمتلك التكنولوجيا التي تدار بها هذه البيانات.

