في الوقت الذي يواجه فيه الجيل زد تحديات جمة مع إرباك الذكاء الاصطناعي للسلم المهني التقليدي، يتجه عدد متزايد من المراهقين في كوريا الجنوبية نحو تجاوز التعليم الجامعي والانضمام إلى المدارس المهنية المتخصصة في صناعة أشباه الموصلات. هذا التحول وضعهم على مسار مهني يدر عليهم رواتب تتجاوز 6 أرقام، حتى قبل أن يبلغوا السن القانونية للتصويت.
فبدلاً من قضاء السنوات الأخيرة من المرحلة الثانوية في الاستعداد لاختبارات القبول الجامعي المجهدة، يتعلم هؤلاء الطلاب مهارات متقدمة مثل تصميم الدوائر الإلكترونية، وبروتوكولات الغرف النظيفة، والتحكم في التلوث، إلى جانب دروس تفاضل وتكامل والكيمياء، وهي الأساس الفني المطلوب للعمل في صناعة الرقائق التي تقدر بمليارات الدولارات في البلاد.
وفي مدرسة "تشونج بوك" الثانوية لأشباه الموصلات، جنوب شرق سيول، يتخرج نحو 96.4% من الطلاب مع عروض عمل جاهزة، وفقا لمجلة "فورتشن".
يقول نو جون سيك (17 عاماً)، وهو طالب في سنته الأخيرة ولديه عرض عمل من شركة "سامسونج"، في حديثه لصحيفة "نيويورك تايمز": "عندما كنت في المتوسطة، حاولت إقناع بعض أصدقائي بالتسجيل معي، لكن كثير منهم فضل الذهاب إلى الجامعة. واليوم، يعرب عديد منهم عن ندمه على هذا القرار".
ومثل جون سيك، يحصل نحو طالب من كل 4 طلاب على وظيفة مباشرة في شركة "سامسونج"، أكبر مجموعة اقتصادية في كوريا الجنوبية. ووفقاً لصحيفة "كوريا هيرالد"، بلغ متوسط راتب موظف "سامسونج إلكترونيكس" السنوي العام الماضي نحو 158 مليون وون (107,300 دولار). وبموجب أحدث اتفاقية نقابية للشركة، يمكن للموظفين في قطاع أشباه الموصلات أن يتقاضوا مكافآت ورواتب تصل إلى 400 ألف دولار العام المقبل إذا تحققت مستويات الأرباح المستهدفة.
تأتي جاذبية هذه المهن العملية والتطبيقية في وقت يعيد فيه الشباب حول العالم التفكير فيما إذا كانت الشهادة الجامعية هي الطريق الآمن والمضمون نحو مهنة مستقرة وعالية الدخل.
فقد أظهرت البيانات أن أكثر من 480 ألف كوري جنوبي ممن يحملون شهادات جامعية كانوا بلا عمل في الربع الثاني من عام 2026، وهو أعلى مستوى للبطالة بين الخريجين منذ 5 سنوات. كما ارتفع معدل البطالة بين الشباب بين 15 و 29 عاماً إلى 7.2%، مع توقعات بأن يواصل الذكاء الاصطناعي تعقيد التوظيف والمنافسة في الوظائف المبتدئة.
وهذا التوجه ليس حكراً على كوريا الجنوبية، ففي الولايات المتحدة، يواجه العاملون من حملة البكالوريوس معدل بطالة يبلغ 2.7%، وهو مستوى لم يشهد منذ عام 2015 باستثناء عن فترة الجائحة. كما يواجه المراهقون في أمريكا أسوأ سوق عمل صيفية منذ نحو 80 عاماً.
وفي المقابل، يسهم النمو السريع للذكاء الاصطناعي في تغذية الطلب على العمالة الماهرة المطلوبة لبناء بنيته التحتية. إذ تتدفق مليارات الدولارات على مصانع تصنيع أشباه الموصلات ومراكز البيانات في ولايات مثل تكساس وكاليفورنيا وأريزونا ونيويورك وأوهايو، ويحتاج طلباً هائلاً على الكهربائيين، الفنيين، عمال البناء، ومتخصصي التصنيع المتقدم.
وبحسب أبحاث مؤسسة "ماكينزي" التي نقلتها "بلومبرغ"، من المتوقع أن يواجه قطاع أشباه الموصلات الأمريكي نقصاً يبلغ نحو 157 ألف عامل ماهر بحلول عام 2030.
تقدم هذه الوظائف بديلاً ماليّاً مجزياً بعيداً عن المسار الجامعي التقليدي. ووفقاً لجمعية صناعة أشباه الموصلات، فإن واحداً من كل 5 عمال في هذا القطاع لا يحمل شهادة جامعية، في حين بلغ متوسط الراتب السنوي للصناعة نحو 170 ألف دولار.
وعلى الصعيد الأمريكي، لا يمثل الزخم في قطاع أشباه الموصلات سوى جزء من تحرك أوسع لإعادة بناء القوى العاملة الماهرة.
ففي وقت سابق، أشار جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورجان تشيس"، إلى الحاجة الماسة والمباشرة لمزيد من العمال الماهرين لدعم بناء السفن والمشاريع الصناعية الكبرى. وقال ديمون لشبكة "سي إن بي سي": "نحن بحاجة إلى 300 ألف كهربائي ولحام لبناء السفن خلال السنوات الخمس أو العشر القادمة".
من جانبها، انضمت شركة "ميتا" إلى هذه الجهود بإطلاقها برنامج تدريبي بقيمة 225 مليون دولار يدعى "أكاديمية القوى العاملة الأمريكية" لتدريب فنيي مراكز البيانات، مع تقديم ضمان توظيف في مواقع "ميتا" بعد إتمام دورة تدريبية مدتها 5 أسابيع.

