الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

بينما كان الجيولوجي الأمريكي ماكس ستاينكي يراجع أبحاثه وخرائطه قبل القيام بجولة جديدة يبحث فيها عن آبار النفط في أرجاء المملكة كان خميس بن رمثان يجهز هو الآخر عدته باعتباره الدليل الذي سيرافقه هو ومعظم أعضاء البعثات الأجنبية التي تولت مهمة اكتشاف النفط في الثلاثينيات، وفي وقت لم تكن فيه خرائط حديثة أو أجهزة كمبيوتر كانت عين ابن رمثان كافية لتحويل الصحراء الشاسعة إلى طرق وصول ونقاط التقاء تمكن عبرها من اكتشاف بئر الدمام 1938 وهو أول بئر نفط تجاري في السعودية، ولذلك عينته شركة أرامكو دليلًا رسميًا لها وذكره المؤرخ إبراهيم الخالدي في كتابه الألقاب والعزاوي واصفًا إياه بـ"المرشد البشري الذي أوصل الناس وفجر الأرض بالخير".

"هدهد".. أول تطبيق خرائط سعودي

هذا الإرث السعودي هو ما استند عليه الملهم التقني فيصل الخميسي حين أطلق منذ أيام تطبيق "هدهد" وهو أول تطبيق خرائط وملاحة سعودي بنسبة 100% وتدعمه الهيئة العامة للمساحة والمعلومات والبرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات، وبذلك أصبح لدى المملكة تطبيقها الوطني الذي يفهم طبيعة العناوين المحلية والتضاريس بدقة ويعيد رسم الشوارع والخرائط والطرق بأيادي سعودية، أما الخميسي فقد حل بعد عقود مكان ابن رمثان بعد أن أصبح صوته شخصيًا هو دليل المستخدمين الذي يوجههم لأفضل المسارات في أقل وقت.

Fri, 31 2026

كيف بدأت ثورة الـGPS؟

عرف العالم تطبيقات الـ "جي بي إس" لأول مرة في 1973 على يد وزارة الدفاع الأمريكية التي أرادت تطوير نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية وكانت الأداة آنذاك للأغراض العسكرية وتوجيه الغواصات والصواريخ والطائرات واستمرت هكذا حتى 1983 حين أتيحت الأداة الجديدة للاستخدام المدني، واستغلت شركة ماجلان تلك الرخصة 1989 فأطلقت أول جهاز جي بي إس محمول باليد وكان عبارة عن جهاز بدائي يزن 700 جرام ويعمل ببطارية لمدة ساعتين، كما كانت مهمته متمثلة في عرض خطوط الطول ودوائر العرض ليخبر المستخدم بمكانه ونتيجة ثمنه الذي بلغ 3 آلاف دولار لم يستخدمه سوى قادة السفن والأثرياء.

تطبيق
تطبيق "Hudhud Maps" أول تطبيق خرائط وملاحة سعودي 100%
Untitled design(2)

جوجل مابس وهيمنة الخرائط الرقمية

جسدت "ماجلان" الأب الروحي لما حدث لاحقًا حين أطلقت جوجل في 2005 تطبيقها "جوجل ماب" الذي أحدث ثورة كبرى في عالم تطبيقات الـ"جي بي إس"، فقبل هذا التاريخ كانت الخرائط الرقمية المتاحة مثل "ماب كويست" بطيئة وغير فعالة، كما أن جوجل أدركت آنذاك أن المعلومات الجغرافية هي بوابة ذهبية لربط محرك بحثها بالإعلانات المحلية والمطاعم والشركات ومن أجل هذا اشترت شركات ناشئة متخصصة في الخرائط وصور الأقمار الصناعية، واليوم وصل عدد مستخدمي جوجل مابس إلى ملياري مستخدم نشط شهريًا ويغطي نفوذه الرقمي أكثر من 249 دولة وتقدر قيمته التسويقية بـ62 مليار دولار وفقًا لبنك مورجان ستانلي.

لماذا تطور الدول خرائطها الوطنية؟

رغم تلك السطوة، أعلنت بعض الدول تمردها الرقمي وفي مقدمتها روسيا التي اعتبرت أن خريطتها الخاصة أمنا قوميا وسياديا ولا يجوز ترك بيانات تحركات مواطنيها وشوارعها الحيوية تحت رحمة الأقمار الصناعية الغربية، لذلك أطلقت في 2004 تطبيقها الوطني "ياندكس مابس" الذي واجه عقبات كثيرة لتغطية مساحة روسيا الهائلة وتضاريسها الجليدية لكنه تحول اليوم إلى نظام متكامل يخدم أكثر من 85 مليون مستخدم نشط، وعكس دول كثيرة أبقت على جوجل ماب أقدمت موسكو على فرض قيود كثيرة على هذا التطبيق خاصة بعد اندلاع الحرب الأوكرانية التي لعب فيها "ياندكس مابس" دورا محوريا إذ طمس أكثر من 119 موقعا عسكريا ومصافي نفط ومستودعات الطاقة حتى لا تصبح أهدافا حربية سهلة.

الهاجس الأمني هو ما دفع الصين أيضًا إلى خطوات أكثر صرامة إذ حظرت خدمات جوجل بالكامل واستعاضت عنه بـ"بايدو مابس" الذي أطلقته في 2005 وربطته بالكامل بشبكة الأقمار الصناعية الخاصة لديها، وحاليًا يستخدم التطبيق أكثر من 500 مليون مستخدم نشط ويعد العصب اللوجستي الأوحد الذي يسير ملايين السيارات والقطارات السريعة ويؤمن مفاصل القوة الاقتصادية والرقمية لبكين.

نفس المسار اتخذته كوريا الجنوبية التي طالبت جوجل في مطلع الألفية الثانية بطمس بعض المواقع العسكرية والمقر الرئاسي كشرط للعمل لكن جوجل رفضت، ما اضطر السلطات الكورية الجنوبية إلى فرض قيود شلت تطبيق الجي بي إس الشهير حتى صار عاجزًا عن توجيه المستخدمين، وبالتوازي تم إطلاق تطبيقي "نافر مابس" و"كاكاو ماب" ليكونا مسؤولين عن تحركات المواطنين ويستخدمها أكثر من 40 مليون مواطن اليوم مع حماية وطنية واستقلالية عن أي أقمار غربية.

بالنسبة لسنغافورة كان السبب تقنيًا بحت إذ رأت في 2010 أن جوجل مابس لا تحدث بيانات الشوارع الحضرية بدقة ولا تفهم الطبيعة المعقدة للمباني وممرات المشاة لحماية المواطنين من الأمطار الاستوائية، ولذلك أطلقت تطبيقها الوطني "وان ماب" الذي واجه في البداية عدة عقبات مثلت تحديًا لمهندسي التطبيق الذين تمكنوا من دمجه مع أكثر من 90 هيئة ليكون متصلًا بكاميرات المرور المباشرة ومناطق حظر الطائرات المسيرة، ورغم أنه يحتل الآن المركز الثالث بعد جوجل مابس وأبل مابس لكنه الأهم كونه الخريطة الإلزامية التي تستخدمها الهيئات الحكومية والشركات الخاصة لتقديم خدماتها.

هل ينافس "هدهد" عمالقة الملاحة؟

عربيًا ظلت العواصم والمدن تعتمد كليًا على السيرفرات والتطبيقات العالمية دون أي بديل محلي يفهم الجغرافيا والثقافة العربية من الداخل ويحمي السيادة الرقمية، وهو ما أقدمت عليه السعودية التي رأت في جوجل مابس وغيره، تطبيقات غير قادرة على مواكبة التطورات العمرانية الكبيرة من ناحية، كما أرادت فتح الباب أمام الشركات الناشئة للمنافسة ولذلك دعمت تطبيق "هدهد" الذي يعتمد في عمله على الأقمار الصناعية التابعة لمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم ويستعين بشركات متخصصة للمراقبة الأرضية يملكها صندوق الاستثمارات العامة، وبعيدًا عن آراء المستخدمين الأولية التي أثبتت أن التطبيق الجديد أسرع وأكثر كفاءة يبقى السؤال: هل سيتمكن "هدهد" من إزاحة منافسيه العالميين أم سيكتفي بالمركز الثاني؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية