عند التجول في أروقة مؤتمر «ليب 2026» الذي اختتم فعالياته أمس في الرياض على مساحة تتجاوز 700 ألف متر مربع، يبدو الذكاء الاصطناعي وكأنه انتقل من مرحلة الوعود إلى واقع مكتمل؛ روبوتات تتحدث بلغات مختلفة، وأخرى تنفذ مهام منزلية ومكتبية، ومنازل ذكية تدار بالكامل عبر الهاتف، وثلاجات متصلة بالشبكة تراقب مخزونها وتطلب المستلزمات تلقائيًا، إلى جانب السيارات والشاحنات ذاتية القيادة وشخصيات مجسمة بتقنية الهولوغرام تحاكي الحضور الفعلي.
لكن خلف هذا المشهد التقني اللافت، تظهر فجوة أقل بريقًا وأكثر تأثيرًا: البيانات التي تحتاجها هذه التقنيات لكي تعمل بكفاءة داخل المنشآت السعودية ليست جاهزة بالقدر الكافي بعد.
وتكشف هذه المفارقة أن التحدي أمام الشركات السعودية لم يعد يتمثل بالضرورة في الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي أو توفير التمويل اللازم لها، وإنما في تهيئة البيئة الداخلية القادرة على استيعابها وتشغيلها وتوسيع نطاق استخدامها.
ووفق «مؤشر نضج الذكاء الاصطناعي 2026» الصادر عن شركة «سيرفس ناو»، فإن 67% من المنشآت في السعودية لا تزال تواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في عدم جاهزية البيانات لاستقبال تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتفعيلها بالشكل الأمثل، بحسب ما ذكره لـ«الاقتصادية» الرئيس الإقليمي للشركة في الشرق الأوسط وإفريقيا، سيف مشاط.
فجوة بين وضوح الرؤية وسرعة التنفيذ
تزداد دلالة هذه الفجوة عند قراءة نتائج المؤشر على مستوى المحاور المختلفة؛ إذ سجلت السعودية 50 نقطة من أصل 100 في مستوى النضج العام للذكاء الاصطناعي.
ورغم أن محور القيادة والإستراتيجية حقق 56 نقطة، بما يعكس وضوح الرؤية والتوجه الإستراتيجي نحو التقنية، فإن محور سير العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي لم يتجاوز 39 نقطة.
وتشير هذه الفجوة إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب الرؤية أو ضعف الطموح، بل في المسافة التي تفصل بين إطلاق المبادرات ودمج الذكاء الاصطناعي فعليًا في العمليات اليومية. فامتلاك استراتيجية للذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة امتلاك البيانات والأنظمة وسير العمل والكوادر اللازمة لتحويلها إلى تطبيقات منتجة.
الإنفاق يتسارع.. لكن التحول أبطأ
المفارقة أن هذا التأخر التشغيلي يأتي في وقت تتسارع فيه شهية السوق السعودية للاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فقد تصدرت المملكة أسواق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في نمو الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، بعد تسجيل زيادة سنوية بلغت 124%، متقدمة على متوسط منطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا البالغ 113%، والمعدل العالمي البالغ 110%.
كما تجاوز النمو السعودي اقتصادات أوروبية رئيسية مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، في مؤشر واضح على قوة الطلب المحلي على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب مشاط، من المتوقع أن يستمر هذا الزخم، بحيث يستحوذ الذكاء الاصطناعي على نحو 20% من إجمالي ميزانيات تقنية المعلومات في السعودية بحلول 2027.
لكن سرعة ضخ الأموال لا تعني بالضرورة سرعة تحقيق التحول. فبين شراء التقنية وإدخالها إلى قلب العمليات اليومية، توجد طبقة من المتطلبات الداخلية قد لا تظهر للزائر في أروقة المعرض، لكنها تحدد إلى حد كبير ما إذا كان الاستثمار سيتحول إلى قيمة فعلية أم سيبقى في نطاق التجربة.
الأنظمة القديمة تعمّق الفجوة
يؤكد المؤشر وجود تحديات واضحة في جاهزية البيئة الداخلية للمؤسسات. إذ لا تمتلك سوى 18% من المؤسسات السعودية أطرًا واضحة لاختبار تقنيات الذكاء الاصطناعي وإدارة مخاطرها، بينما لم تتجاوز نسبة الشركات التي نجحت في التخلص من أنظمتها القديمة واستبدالها بمنصات حديثة ومتكاملة 13%.
وتكشف هذه الأرقام عن معضلة مزدوجة؛ فمن جهة، تتقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة، ومن جهة أخرى، لا تزال نسبة محدودة من المؤسسات تمتلك البنية التنظيمية والتقنية التي تسمح لها باختبار هذه التقنيات بأمان، وربطها بأنظمتها القائمة، ثم توسيع استخدامها على نطاق المؤسسة.
وهنا تصبح البيانات أكثر من مجرد مدخلات تقنية؛ فهي الأساس الذي يحدد جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي وقدرته على فهم العمليات واتخاذ القرارات وتقديم توصيات قابلة للتنفيذ.
الذكاء الاصطناعي الوكيل.. من المساعدة إلى التنفيذ
تبرز الفجوة بصورة أوضح في مجال الذكاء الاصطناعي الوكيل «Agentic AI». فبينما بدأت 48% من المؤسسات السعودية استخدام هذه التقنيات، لم تتمكن سوى 10% منها من توظيفها لإنشاء سير عمل أوتوماتيكي ومستقل بالكامل.
وهذا يعني أن الاستخدام الحالي يتركز بدرجة أكبر على مساعدة الموظف وتسهيل مهامه، بدل إعادة تصميم دورة العمل نفسها ومنح الأنظمة القدرة على تنفيذ سلسلة كاملة من المهام بصورة مستقلة.
وبعبارة أخرى، فإن الآلة التي تبدو في عروض «ليب» قادرة على فهم المهمة واتخاذ القرار وتنفيذها، قد لا تزال داخل المؤسسة مجرد أداة تساعد الموظف على إنجاز جزء من المهمة.
الحوكمة والبيانات مفتاح العائد
لا يقاس نجاح استثمارات الذكاء الاصطناعي بعدد الأنظمة التي تدخل المؤسسة، وإنما بمدى قدرتها على تغيير طريقة العمل وتحسين الإنتاجية وتحقيق عائد ملموس.
ويشير المؤشر إلى أن المؤسسات الأكثر نضجًا في مجالات الحوكمة وتنظيم البيانات تحقق حاليًا عائدًا على الاستثمار يبلغ 161%، مع توقعات بارتفاعه إلى 194% خلال العامين المقبلين، فضلًا عن تمتعها بمستويات إنتاجية أعلى بخمسة أضعاف مقارنة بالمؤسسات الأقل نضجًا.
وتعكس هذه الأرقام حقيقة أساسية: الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا يضمن وحده العائد، ما لم يصاحبه استثمار موازٍ في جودة البيانات والحوكمة وتحديث الأنظمة وإعادة تصميم سير العمل.
استثمارات لتوطين التقنية وتأهيل الكوادر
وفي حديثه لـ«الاقتصادية» على هامش «ليب 2026»، أكد مشاط أن معالجة هذه الفجوات جارية عبر استثمارات الشركة البالغة 500 مليون دولار في السعودية.
وأوضح أن توطين الخدمات السحابية، الذي تم في سبتمبر 2025، سيكتمل بنهاية العام الجاري، مع إتاحة جميع قدرات الذكاء الاصطناعي من داخل مراكز البيانات السعودية، وبما يتوافق مع الأنظمة المحلية.
ويمتد العمل كذلك إلى الجانب البشري، إذ أشار مشاط إلى برامج تدريبية تنفذ بالشراكة مع أكاديميتي «طويق» و«سدايا»، حققت نسبة توظيف بلغت 100% للخريجين، بالتوازي مع التخطيط للتعاون مع 15 جامعة لتأهيل الطلاب قبل دخول سوق العمل.
المعركة الحقيقية خلف شاشات «ليب»
في الوقت الذي تبدو فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي على أرض «ليب» وكأنها تجاوزت حدود التجربة إلى واقع مكتمل، تكشف تجربة المؤسسات أن المعركة الحقيقية تجري في مكان أقل ظهورًا: البيانات، والأنظمة، والحوكمة، والكوادر، وسير العمل.
فالفارق بين روبوت مبهر في جناح شركة تقنية ونظام ذكاء اصطناعي يحقق قيمة فعلية داخل منشأة لا تحدده قوة النموذج وحدها، بل قدرة المؤسسة على تزويده ببيانات موثوقة، وربطه بأنظمتها، وإعادة تصميم عملياتها حول قدراته.
ومن هنا، فإن التحدي المقبل أمام المنشآت السعودية لن يكون في إثبات قدرتها على شراء أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإنما في إثبات قدرتها على تهيئة المؤسسة نفسها لكي تستفيد منها. فبينما تعرض شاشات «ليب» ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله، ستحدد جاهزية البيانات ما تستطيع الشركات السعودية فعليًا أن تفعله به.

