لأجيال، اشتهرت مدينة أولان تشاب بمراعيها الواسعة وتربية الماشية وزراعة البطاطس، واعتمد اقتصادها على مناخها البارد والرياح القوية. أما اليوم، فقد بدأت توربينات الرياح العملاقة تنتشر إلى جانب قطعان الماشية في سهولها.
مع تسارع الطلب العالمي على قدرات الحوسبة والكهرباء بفعل طفرة الذكاء الاصطناعي، أصبحت أولان تشاب أحد الأصول الصناعية الواعدة في الصين بفضل مواردها من الطاقة المتجددة. وفي وقت سابق من أغسطس، دشنت مجموعة إنفيجن الصينية مجمع «جالاكسي كامبس»، الذي يضم مركز بيانات للذكاء الاصطناعي على مساحة 120 ألف متر مربع، تعادل مساحة نحو 20 ملعب كرة قدم، حسب ماذكرت "ساوث تشاينا مورنينق بوست".
صُمم المجمع لاستيعاب ما يصل إلى مليون مسرّع للذكاء الاصطناعي، وبقدرة كهربائية مخططة تتجاوز 2 جيجاوات، ما يجعله من بين أكبر منشآت الحوسبة للذكاء الاصطناعي عالميًا. وللمقارنة، تبلغ القدرة المتوقعة لمركز «كولوسوس 2»، التابع لشركة إكس إيه آي التي أسسها إيلون ماسك، في الولايات المتحدة نحو 1.5 جيجاوات. كما تمتلك أولان تشاب نحو 10% من إجمالي موارد طاقة الرياح في الصين، وثلث موارد منطقة منغوليا الداخلية.
قال يانج وينلونج، مدير المشروع في مجموعة إنفيجن: "كانت رياح كثيرة تهب في السابق وتمر دون الاستفادة منها. أما الآن، فيمكن تحويلها إلى كهرباء لتشغيل الحوسبة، ومن ثم إلى رموز رقمية". وأشار إلى أن نحو 67% من الكهرباء المستخدمة في أولان تشاب تأتي من مصادر خضراء، بينها الطاقة الشمسية.
تحول استغرق عقدًا
استغرق تحول أولان تشاب من تربية الماشية وزراعة البطاطس إلى مركز للذكاء الاصطناعي نحو عقد من الزمن. ففي 2013 بدأت "هواوي" العمل مع حكومة المدينة لتوسيع مراكز البيانات، وفي 2018 أعلنت "أبل" استضافة خدمة iCloud في مراكز بيانات بالمدينة، بالتزامن مع بدء "يو كلاود" إنشاء مركز لها. وفي 2020 بدأت "كوايشو" بناء مركز بيانات، أكملت مرحلته الأولى بسعة 300 ألف خادم بعد سنوات عدة.
بحلول يونيو، وقعت المدينة 89 صفقة لمراكز البيانات، منها 86 مشروعًا للحوسبة بالذكاء الاصطناعي، فيما بلغت القدرة الإجمالية للمشاريع قيد التطوير أو المخطط لها 12.5 جيجاوات، أي نحو 3 أضعاف القدرة المتوقعة في جوهور الماليزية البالغة 4.2 جيجاوات.
ومع طفرة الطلب على الذكاء الاصطناعي، ارتفع الاستهلاك اليومي للرموز من نحو100 مليار في بداية 2024 إلى 100 تريليون بنهاية 2025، ثم تجاوز 140 تريليونًا في مارس 2026. ويقود هذا النمو طلبًا متزايدًا على الكهرباء والبنية التحتية الحاسوبية اللازمة لإنتاج هذه الرموز.
اقتصاد الطاقة
تستهلك عملية توليد مليون رمز من رموز الذكاء الاصطناعي نحو 2 إلى 3 كيلووات/ساعة من الكهرباء، ما يجعل تكلفة الطاقة عاملًا حاسمًا في اقتصاد مراكز البيانات. وفي أولان تشاب، يحصل بعض المشغلين على الكهرباء بنحو 0.35 يوان (0.05 دولار) لكل كيلووات/ساعة، أي أقل من نصف السعر البالغ نحو 0.70 يوان في المقاطعات الشرقية. وتمثل الكهرباء نحو 60 إلى 70% من تكاليف تشغيل مراكز البيانات.
وعند التشغيل بكامل طاقته، قد يستهلك مركز حوسبة للذكاء الاصطناعي بقدرة 1 جيجاوات نحو 8.76 مليار كيلووات/ساعة سنويًا. وخفض تكلفة الكهرباء بمقدار 0.1 يوان لكل كيلووات/ساعة قد يوفر نحو 876 مليون يوان سنويًا، وفقا لـ "ساوث تشاينا".
ولا تقتصر ميزة أولان تشاب على الكهرباء الرخيصة؛ إذ يبلغ متوسط درجة الحرارة السنوي فيها نحو 5 درجات مئوية، ما يسمح باستخدام الهواء الخارجي للتبريد الطبيعي خلال جزء كبير من العام، وتقليل الاعتماد على أنظمة التبريد كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ويبلغ مؤشر كفاءة استخدام الطاقة PUE في أبرز تجمعات مراكز البيانات بالمنطقة أقل من 1.15، مقارنة بمتوسط وطني يقارب 1.5، ما يعني وصول حصة أكبر من الكهرباء إلى الشرائح الحاسوبية.
وتستهلك مراكز البيانات في الصين نحو 170 مليار كيلووات/ساعة سنويًا في 2025، بما يعادل 1.6% من استهلاك الكهرباء الوطني. وبحلول 2030، يُتوقع ارتفاع الاستهلاك إلى نحو 800 مليار كيلووات/ساعة، أي نحو 5 أضعاف مستويات 2025، ويمثل نحو 6% من استهلاك الكهرباء الوطني.
فجوة الحوسبة
لكن توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يواجه تحديًا آخر، إذ لا تُستخدم كل القدرات الحاسوبية المتاحة.
ففي 2025، بلغت القدرة المتاحة في مراكز الحوسبة الذكية بالصين نحو 3.8 مليار ساعة حوسبة، بينما لم يُستخدم منها سوى 1.4 مليار ساعة، بمعدل استفادة بلغ 36.8%. ويظهر ذلك فجوة بين مواقع إنتاج الحوسبة ومواقع الطلب عليها؛ إذ تجذب مدن مثل أولان تشاب مراكز البيانات بفضل الكهرباء الرخيصة والأراضي والمناخ الملائم، بينما يتركز جزء كبير من الطلب على الحوسبة في المدن الشرقية حيث تتمركز شركات التقنية والمستخدمون.
وبذلك، لا يكمن التحدي أمام الصين في بناء مزيد من مراكز البيانات فحسب، بل في إيصال الكهرباء الرخيصة إلى الحوسبة، ثم إيصال تلك الحوسبة إلى حيث يوجد الطلب.

