على خطى تطبيقات التوصيل، اتجه عدد من المطاعم العالمية والمحلية مما تمتلك فروعاً كثيرة في السعودية إلى تأسيس تطبيقات خاصة بها وبيع منتجاتها بأسعار مختلفة عن أسعار فروعهم، وهو النموذج الذي تمارسه تطبيقات التوصيل المعروفة.
مختصون أوضحوا أن مع ارتفاع نسب العمولة التي تفرضها تطبيقات التوصيل على المطاعم، بدأ عديد من المطاعم التقليدية ومطاعم الوجبات السريعة في إطلاق تطبيقاتها الخاصة بهدف تقليل الاعتماد على المنصات الوسيطة، إلا أن المفاجأة هي قيام بعض التطبيقات الخاصة بالمطاعم بعرض المنتجات بأسعار مساوية أو أعلى من تلك الموجودة في تطبيقات التوصيل العامة.
وهنا قال لـ "الاقتصادية" أحمد عجينة المختص في التسويق وسلوك المستهلك، "تشهد سوق تطبيقات توصيل الطعام في السعودية تنافسًا متزايدًا في ظل النمو الكبير لقطاع المطاعم والتحول الرقمي في سلوك المستهلك".
عجينة أضاف، "رغم الآمال التي رافقت اشتداد المنافسة بخفض الأسعار على المستهلك النهائي، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، حيث ارتفعت تكلفة الطلب عبر التطبيقات، سواء من حيث أسعار الوجبات أو رسوم التوصيل".
أشار إلى أن الحملات التسويقية الحالية تكاد لا تخلو من استهداف جيل ألفا (مواليد ما بعد 2013) وجيل زد (مواليد ما بين 1997 و2012)، خصوصًا تلك التي تعتمد على استراتيجيات التسويق الرقمي.
ونوه بأن هذين الجيلين يمثلان القوة المحركة لسوق الاستهلاك في المملكة، مستندًا إلى تقرير صادر عن الهيئة العامة للإحصاء يشير إلى أن جيل ألفا وجيل زد يشكلان نحو 63% من سكان المملكة، أي ما يقارب 20 مليون نسمة، وهم اليوم المحرك الأساسي لقرارات الشراء داخل الأسر.
ارتفاع الأسعار رغم المنافسة
عجينه ذكر أن التوقعات كانت تشير إلى أن المنافسة بين تطبيقات التوصيل ستنعكس إيجابًا على المستهلك من حيث خفض الأسعار، إلا أن ما حدث فعليًا هو ارتفاع التكاليف التشغيلية على التطبيقات والمطاعم معًا، ما أدى إلى رفع أسعار بعض القوائم داخل التطبيقات، إضافة إلى رسوم التوصيل، لتكون النتيجة النهائية زيادة العبء المالي على العميل.
أوضح أن جيل ألفا وجيل زد يتأثران بدرجة كبيرة بعامل الملاءمة والراحة، ما يجعل تطبيقات التوصيل الخيار المفضل لهم، حتى مع ارتفاع التكلفة، لذلك فإنهم لا يبحثون عن بديل للتطبيقات بقدر ما يبحثون عن منافذ اقتصادية داخلها، مثل العروض والخصومات وبرامج الولاء.
المطاعم تبحث عن بدائل
لفت عجينة "مع ارتفاع نسب العمولة التي تفرضها تطبيقات التوصيل على المطاعم، بدأ عديد من المطاعم التقليدية ومطاعم الوجبات السريعة في إطلاق تطبيقاتها الخاصة بهدف تقليل الاعتماد على المنصات الوسيطة.
إلا أن المفاجأة هي قيام بعض التطبيقات الخاصة بالمطاعم بعرض المنتجات بأسعار مساوية أو أعلى من تلك الموجودة في تطبيقات التوصيل العامة، أي أنها ترفع سعر الوجبة مقارنة بالسعر المعروض داخل المطعم نفسه، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى هذه التطبيقات من منظور المستهلك.
تغير في نمط الحياة والاستهلاك
من جانبها، أكدت الأستاذة هالة الحسيني، المتخصصة في التجارة الإلكترونية، أن تطبيقات توصيل الطعام تحولت خلال السنوات الأخيرة من خيار ترفيهي إلى جزء أساسي من الحياة اليومية لكثير من الأسر والأفراد في المملكة.
وقالت "إن هذا التحول لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة تفاعل اجتماعي وثقافي مع التحول الرقمي، وتغير توقعات المستهلك السعودي من حيث السرعة وجودة الخدمة وسهولة الوصول إلى الخيارات المختلفة".
أشارت إلى أن بيانات حديثة تظهر أن نحو 68.6% من المستخدمين السعوديين يعتمدون على تطبيقات توصيل الطعام مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا، ما يعكس اندماج هذه الخدمات في نمط الحياة اليومي، مدفوعًا بالرغبة في توفير الوقت والجهد في ظل تسارع وتيرة الحياة.
بناء برامج ولاء فعالة بدلا من الوساطة
الحسيني ترى أن الهدف الاستراتيجي لتطبيقات المطاعم الخاصة يجب ألا يقتصر على التوصيل فقط، بل ينبغي أن يركز على بناء علاقة مباشرة مع العميل من خلال تحليل البيانات وتخصيص العروض وبناء برامج ولاء فعالة، حيث تصبح ملكية بيانات العملاء للمطاعم نفسها بدل أن تكون حكرًا على التطبيقات الوسيطة.
وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل جوهري حول مستقبل هذه التطبيقات الخاصة، إذا كان السعر النهائي ورسوم التوصيل متساوية بين تطبيقات التوصيل العامة وتطبيقات المطاعم الخاصة، فما القيمة المضافة التي تقدمها هذه التطبيقات للمستهلك؟ وما الذي يدفع العملاء إلى تحملها والالتزام بها؟
أوضحت الحسيني، أن سوق تطبيقات توصيل الطعام في المملكة تبقى مفتوحة على تحولات جديدة، تقودها فئة الشباب، وتتحكم فيها معادلة دقيقة بين الراحة والسعر والثقة وجودة التجربة الرقمية.
وبين ارتفاع التكاليف وسعي المطاعم للاستقلال عن المنصات الوسيطة، يظل المستهلك السعودي هو الحلقة الأهم في رسم مستقبل هذا القطاع.
قائمة أسعار واضحة في التطبيقات والمطاعم
من جهتها، أكدت لـ "الاقتصادية" وزارة التجارة السعودية، أهمية وجود قائمة أسعار واضحة للمستهلك في كافة التطبيقات والمطاعم الموجودة في السعودية.
وقالت نصا "الوزارة تؤكد على أهمية أن تكون قائمة الأسعار في التطبيق والمتجر واضحة للمستهلك، ما يمنح المستهلك حرية الاختيار بالشراء من التطبيق، أو من المتجر مباشرة".
المستهلك الحلقة الأضعف في التسعير
من جهته، قال فضل بن سعد البوعينين مستشار ومحلل اقتصادي، "إن المستهلك أصبح الحلقة الأضعف في عمليات تسعير منتجات المطاعم التي باتت تتفنن في إضافة مبالغ على السعر الحقيقي للمنتج، دون أي اعتبارات لحماية المستهلك أو حتى حماية حصتهم السوقية التي ستتضاءل مع مرور الوقت بسبب الأسعار المرتفعة".
أضاف، "اعتماد المطاعم على التطبيقات يفترض أن يخفض التكاليف عليهم ويعطيهم قدرة تسويقية أكبر خاصة مع ربط الخدمة بالتوصيل المنزلي، وفي حالة تطبيقات التوصيل المستقلة فهي تخصم نسبة من قيمة المنتج المبيع لمصلحتها، حتى إن بعض التطبيقات باتت تحقق أرباحا أكبر من المطاعم نفسها بسبب نسبة الخصم المرتفعة، ما دفع بعض المطاعم لإنشاء تطبيقات وربطها بالتوصيل المنزلي، لذا يفترض أن تحقق لهم هذه التطبيقات مكاسب أكبر وتحميهم من الاستقطاعات التي تحصلها منهم شركات التوصيل المعروفة، ما يستوجب خفض قيمة المنتج وليس رفعه والإضرار بالمستهلكين".
أشار البوعينين إلى أن المطاعم تستغل تقاعس المستهلك في زيادة الهامش الربحي، وذلك من خلال عمليات التسعير التي باتت ترتبط بشكل أكبر بعدم اكتراث المستهلكين بالأسعار إذا ما تم الدفع عن طريق التطبيقات لا بالتكلفة وهامش الربح المعقول.
قيمة التوصيل تفوق قيمة المنتج
أوضح "لو تمعن المستهلك بما يدفعه من إضافات مالية على القيمة الحقيقية للمنتج، أو منفعته، لما استمرّ في الشراء دون تفكير في السعر، ففي بعض الأحيان يدفع المستهلك قيمة التوصيل تفوق قيمة المنتج، وهذا في المنتجات الرخيصة التي يتم تأمينها من البقالات، أما في حال الأطعمة فتكلفة التوصيل مرتفعة إضافة إلى ارتفاع تكلفة المنتج، وهو أمر يحتاج إلى رفع وعي المستهلك وثقافة الاستهلاك التي أعتقد أنها هي الحل لمواجهة انفلات الأسعار وتضخمها".
وتوقع أن تكون هناك منافسة بين تطبيقات المطاعم لتطبيقات التوصيل مستقبلاً بشكل نسبي في المرحلة الأولى، خاصة المطاعم ذات العلامات التجارية المعروفة، لافتا إلى أن المطاعم اليوم أصبحت تركز على هامش الربح ونسبة الاستقطاع من تطبيقات التوصيل، وتسعى جاهدة لخلق بديل لها من داخل المنظومة.
وربما مستقبلا نجد اتحادا بين المطاعم أو السوبرماركات لإنشاء تطبيق خاص بهم يخفض نسبة الاستقطاع ويقدم أسعارا تنافسية للمستهلكين، وفي هذه الحالة يضمن هذا الاتحاد زيادة مبيعاته بسبب الأسعار المنضبطة والمنافسة، وخفض حجم الاستقطاع، وتحقيق ربح من التطبيق المشترك بينهم.



