تدفع موجة بيع واسعة في أسواق السندات العالمية تكاليف الاقتراض إلى الارتفاع على الحكومات والشركات والأسر في مختلف أنحاء العالم المتقدم، ولا تتوقع وول ستريت نهاية قريبة لهذه الأزمة.
وصلت عوائد السندات إلى أعلى مستوياتها في 19 عاماً، ويعزو المستثمرون هذا الهبوط إلى استمرار النزاع الأمريكي - الإيراني الذي يغذي مخاوف التضخم، والتدفق الكثيف لسندات شركات التكنولوجيا المتنافسة على سيولة صناديق الدين، فضلاً عن القلق إزاء عجز الموازنة وغياب الرؤية الواضحة من رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد.
ورغم تباين الآراء حول وزن كل عامل، يتفق المعظم على أن هذه الظروف لن تزول قريباً. ويرى كثيرون محركاً أكبر وراء موجة البيع: قوة الاقتصاد غير المتوقعة، إذ واصل نموه رغم أسعار الفائدة المرتفعة التي كان يتوقع أن تكبح نموه.
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، يرى محللون أنه إذا كانت أزمة 2008 قد دشنت حقبة فائدة بالغة الانخفاض، فإن الظروف الحالية بمنزلة عودة إلى الوضع السابق. ويتردد المستثمرون في شراء السندات طويلة الأجل نظراً لمخاطر صعود الفائدة لمستويات أعلى. وعلق روبرت تيب، كبير استراتيجيي الاستثمار في "بي جي آي إم كريديت": "باختصار، هذا تطبيع".
كم وصل عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما؟
سجلت عوائد السندات الحكومية، التي ترتفع مع هبوط أسعارها، مستويات قياسية؛ إذ تجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً 5.3% للمرة الأولى منذ 2007، واقترب عائد السندات لأجل 10 أعوام، وهو المؤشر الرئيس لتكاليف الاقتراض، من أعلى مستوياته منذ 2025.
حتى الآن، ظل التأثير محصوراً في سوق السندات. تحوم الأسهم قرب مستويات قياسية وتسجل الشركات أرباحا قوية. غير أن استمرار صعود العوائد يحمل تداعيات تتجاوز وول ستريت، وتعد الحكومة الأمريكية المتضرر الأكبر، إذ ستضطر لدفع فوائد أعلى على ديونها مع استحقاق السندات القديمة واستبدالها بإصدارات جديدة.
تستنزف خدمة الدين جزءاً متزايداً من الميزانية الفيدرالية، واليوم يذهب نحو دولار من كل خمسة دولارات من الإيرادات لسداد الفوائد. ووفقاً لمكتب الميزانية في الكونجرس، يتوقع أن تصل تكاليف الفائدة الفيدرالية إلى 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وفي طريقها لتسجل نحو 4.6% بحلول 2036.
افترضت توقعات المكتب استقرار عائد السندات لأجل 10 أعوام عند 4.1%، وهو أقل بكثير من مستواه الراهن قرب 4.7%. وإذا استمرت الفائدة على السندات لأجل 10 أعوام مرتفعة، فقد تأخذ الحكومة في الحسبان ارتفاع تكاليف الاقتراض في توقعاتها المستقبلية.
الدين العام الأمريكي يبلغ 100% من الناتج المحلي
يبلغ الدين العام الأمريكي حالياً نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي، مقتربًا من المستويات القياسية المسجلة بعد الحرب العالمية الثانية. هذه المستويات تجعل الاقتصاد أكثر حساسية لتحركات الفائدة؛ إذ يقدر المكتب أن أي زيادة بمقدار 0.1 نقطة مئوية فوق التوقعات ستضيف 379 مليار دولار إلى صافي نفقات الفائدة.
وقال مايكل سترين، مدير دراسات السياسة الاقتصادية في معهد "أمريكان إنتربرايز": "القضية ليست ارتفاع الفائدة، بل العجز. إذا كان علينا أن نركز على أمر واحد فقط فهو توقعات العجز على مدى 10 سنوات".
ينطوي على العوائد المرتفعة أبعاد سياسية. تسهم سندات الخزانة في تحديد تكاليف الاقتراض في مختلف قطاعات الاقتصاد، ومن بينها قروض الرهن العقاري لأجل 30 عامًا.
وعد الرئيس ترمب ووزير الخزانة سكوت بيسنت بالعمل على خفض العوائد بتقليص العجز، لكن الوعود لم تثمر. فقد اتخذ بيسنت خطوات لكبح ارتفاع عوائد سندات الخزانة في الأسابيع الأخيرة، من أبرزها التدخل في أسواق العملات لدعم الين الياباني، إلا أن العوائد استمرت في الارتفاع، كاشفة عن محدودية مناوراته.
وقال زاك جريفيث، رئيس استراتيجيات الدرجة الاستثمارية في "كريديت سايتس": "حقيقة أن الإجراءات التي اتخذها وزير الخزانة حتى الآن لم تكن فعالة كما كان يتمنى سبب آخر يعزز احتمال استمرار هذا الارتفاع".
وفي تطور إيجابي، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية تراجعا طفيفا يوم الثلاثاء، حيث تراجع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.706% من 4.725% يوم الإثنين، وفقًا لبيانات "تريدويب".
أداء مؤشرات الأسهم
تراجعت الأسهم مع هبوط "ناسداك" 1.3%، و"ستاندرد آند بورز 500" 0.7%، و"داو جونز" 0.2%. وتكبدت أسهم الرقائق خسائر ملحوظة بتراجع مؤشر "فيلادلفيا لأشباه الموصلات"، ليفقد نحو 19% من ذروته المسجلة في 22 يونيو.
مع ذلك، لا تزال المؤشرات تسجل مكاسب تتجاوز 10% هذا العام.
واختتم كيث ليرنر، كبير مسؤولي الاستثمار في "ترويست أدفايزري سيرفيسز": "تجاوزت الأسواق ارتفاع العوائد بفضل طفرة الأرباح، ومع انقضاء موسم النتائج المالية، سينصب التركيز أكثر نحو العوائد".

