لو أصبحت منتجات "لويس فيتون" و "برادا" فجأة أرخص بنسبة 30% من معروضات "زارا" أو "إتش آند إم"، لهرع المستهلكون لإفراغ أرفف تلك المتاجر خلال ساعات معدودة. لكن هذا السيناريو الغريب يحدث بالفعل في أسواق المال اليوم، إذ يجري تداول أسهم العملاق الفرنسي "إل في إم إتش" ومجموعة "برادا" الإيطالية بأسعار تقل عن أسهم شركتي الأزياء السريعة المذكورتين. ويعكس عزوف المستثمرين عن اقتناص هذه الفرصة مخاوف متزايدة من أن أفضل أيام بعض العلامات التجارية الفاخرة قد ولت.
وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، لم تسجل المبيعات العالمية للسلع الفاخرة أي نمو حقيقي يذكر طوال السنوات الثلاث الماضية. ويدور في أروقة القطاع جدل عميق حول ما إذا كانت هذه الانتكاسة كبوة مؤقتة أم تحولاً هيكلياً طويل الأمد. ففي الوقت الراهن، يتلاشى اتجاهان كانا قد جعلا من أسهم العلامات الفاخرة استثماراً ممتازا على مدى العقدين الماضيين، وهما: الطلب الصيني الهائل، وتوسع الطبقة الوسطى في الغرب في اقتناء الكماليات. وهذا يعني أن معدل النمو السنوي البالغ 8% الذي اعتادته الصناعة لن يعود في المدى المنظور.
فالمستهلك الصيني، الذي قاد بمفرده أكثر من نصف نمو صناعة الرفاهية خلال العقود الثلاثة الماضية، يعيش واقعاً أمرّ مما تعكسه الأرقام الرسمية. وتشير بيانات شركة الأبحاث والوساطة "بيرنشتاين" إلى أن الأسر الصينية تسحب من مدخراتها، ومع ذلك ظلت مبيعات التجزئة راكدة دون مستوى نمو 1% لخمسة أشهر متتالية، ما يعني أن الاحتياطيات النقدية تسد نفقات المعيشة اليومية فحسب، لا الكماليات.
علاوة على ذلك، تراجعت القيمة السوقية للعقارات في الصين 40% عن ذروتها أواخر 2021، وهو انحدار عقاري يفوق في قسوته أزمة الرهن العقاري الأمريكية عام 2008. هذا التآكل في الثروة دفع أصحاب المنازل إلى كبح إنفاقهم الترفيهي. وتتفاقم الضغوط مع فرض بكين ضريبة جديدة بنسبة 20% على الصناديق الائتمانية التي يمتلكها المواطنون في الخارج، ما أشعل مخاوف الأثرياء من فواتير ضريبية موجعة وظهر أثره فوراً في هبوط مبيعات المجمعات الفاخرة.
في الوقت ذاته، يعاني مستهلكو الطبقة الوسطى في أوروبا والولايات المتحدة انحساراً في السيولة المتاحة بعد موجات تضخم غذتها توترات الطاقة وارتفاع أسعار الفائدة. ومع قفزة عوائد السندات الحكومية التي رفعت تكلفة قروض المنازل والسيارات، لم يعد هناك فائض نقدي لشراء حقائب يد تتجاوز قيمتها 4 آلاف دولار.
هذا التحول حاصر العلامات الكبرى التي تعتمد على الجماهير. دور مثل "برونيلو كوتشينيلي" التي تعتمد حصرا على فاحشي الثراء ستواصل مسارها كالمعتاد، لكن "لويس فيتون"، مثلا، تجني أكثر من نصف إيراداتها من متسوقي الطبقة المتوسطة الذين يشترون سلعة واحدة باهظة سنوياً. وهذا يفسر تخلف أداء السهم الذي أصبح يتداول بخصم 30% لمكرر الأرباح المتوقعة مقارنة بشركة "إنديتكس" المالكة لـ "زارا".
كان آخر خصم بهذا الحجم في عام 2016. حينها، تباطأ نمو مبيعات "إل في إم إتش" لأن المستهلكين ملوا من حقائب اليد ذات الشعارات البارزة، وأصبح التباهي بالثراء محفوفًا بالمخاطر في الصين. نجحت "لويس فيتون" في إعادة تصميم منتجاتها، وزادت تركيزها على السوق الأمريكية بعد عام 2020. وحقق أي مستثمر اشترى أسهم المجموعة أوائل 2016 عائدًا سنويًا إجماليًا قدره 34%.
يبدو المشهد اليوم أكثر تعقيداً. فالصناعة تواجه منافسة شرسة من أسواق إعادة بيع السلع الفاخرة المستعملة الموثوقة مثل منصة "ذا ريل ريل" التي قفزت مبيعاتها 17%، فضلاً عن تحول المشترين نحو علامات عملية مثل "إتش آند إم".
في المقابل، تظهر مجموعة "ريشمونت" المالكة لدار "كارتييه" مرونة استثنائية. إذ تتداول بتقييمات مثل "إنديتكس" لنجاحها في جذب مختلف شرائح الدخل، وتقدم مجوهرات تبدأ بمئات الدولارات وتصل إلى تصاميم مخصصة تفوق 10 ملايين دولار.
تقف دور الرفاهية اليوم أمام مفترق طرق حاسم، إما تخفض الأسعار لملاءمة المستهلكين المتعثرين، أو التمسك بالأسعار الحالية وقبول انكماش أعمالها. وفي الحالتين، لم يعد بريق الاسم وحده كاف لحماية التقييمات العادلة في دفاتر المستثمرين.


