لم تفلح طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية، التي دعمت الزخم الاقتصادي في الصين هذا العام، في تعويض الأزمات في الصين، وفي مقدمتها الخسائر المتواصلة في أسواق الأسهم.
فمنذ ذروتها المسجلة في يونيو، هبطت المؤشرات الصينية الرئيسية بأكثر من 20% لتدخل رسمياً نطاق "السوق الهابطة". وردت بكين الأسبوع الماضي بضخ 19 مليار دولار في صناديق المؤشرات المتداولة، وفق بيانات "بلومبرغ"، في أكبر تدخل حكومي منذ مطلع عام 2025 حين هزت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأسواق العالمية.
لكن محللين يرون أن هذه الإجراءات لن توقف التراجع المستمر في ظل ركود الإنفاق الاستهلاكي والمخاوف المتزايدة من انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي؛ إذ أغلق مؤشر "سي إس آي 300" CSI 300"" في بورصتي شنغهاي وشنتشن على انخفاض بنسبة 1% يوم الخميس.
وبحسب "سي إن إن"، لم تسلم حتى الشركات التكنولوجية الوطنية الكبرى، التي قادت تحقيق فائض تجاري قياسي هذا العام، من موجة الانهيار؛ إذ هوى مؤشر "ستار 50" في شنغهاي، الذي يضم رواد صناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي محلياً، بأكثر من 40% عن ذروته في يونيو.
كما فقدت أسهم شركة "يونيتري"، أكبر صانع للروبوتات البشرية في العالم من حيث المبيعات، نصف قيمتها بعد أن قفزت بنسبة 600% عند إدراجها في شنغهاي خلال أغسطس. وتراجعت القيمة السوقية لشركة تصنيع رقائق الذاكرة "سي إكس إم تي" "CXMT" التي تصدرت الأسهم الأعلى وزناً في بورصة شنغهاي بعد 3 أشهر فقط من إدراجها، بنحو 30% مقارنة بمستوياتها القياسية في أغسطس.
وأوضح جاري نج، كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك "ناتيكسيس": "يعكس هذا التراجع إعادة تسعير للصفقات المزدحمة في قطاع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ضعف الطلب المحلي وغياب الحوافز الاقتصادية الكافية".
وامتدت التراجعات الحادة إلى بورصة هونج كونج؛ حيث هبط مؤشر "هانج سينج" بأكثر من 12% هذا العام، لتصبح الأسهم الصينية، إلى جانب أسواق إندونيسيا والهند، الأسوأ أداءً على مستوى المنطقة. وأشار نج إلى أن هونج كونج تواجه ضغوطاً ناجمة عن ارتباطها بالشركات الصينية وموجات البيع من مستثمري البر الرئيسي، فضلاً عن تشديد بكين الرقابة على الاستثمارات العابرة للحدود وقواعد الضرائب الخارجية.
من جانبها، قالت لورين تان، مديرة أبحاث الأسهم الآسيوية في شركة "مورنينج ستار": "أي إجراءات لدعم معنويات السوق يظل مفعولها قصير الأجل ما لم تعالج الاختلالات الهيكلية. هناك فائض في الطاقة الإنتاجية في قطاعات متعددة، كما أن غياب الإنفاق المالي التوسعي هذا العام شكل عبئاً إضافياً، والمطلوب فعلياً هو تبني سياسات تعزز الاستهلاك المحلي".
يقدم هذا التراجع درساً تحذيرياً للمستثمرين على مستوى العالم وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصحيح عنيف لطفرة الذكاء الاصطناعي الممولة بالديون إلى تهاوي أسهم التكنولوجيا العالمية. ومع ذلك، يستبعد الخبراء انتقال العدوى إلى الأسواق الدولية في الوقت الراهن، نظراً للقيود الصارمة التي تفرضها الصين على تدفقات رؤوس الأموال، ما يحد من مشاركة الأجانب ويحصر الاضطراب داخلياً.
لكن في الداخل الصيني، تضرب الخسائر صغار المستثمرين في توقيت حرج. فمع أن الطلب العالمي على الرقائق ومعدات الذكاء الاصطناعي عزز الصادرات ودفع نمو الربع الثالث لتجاوز التوقعات، لا يزال ركود الاستهلاك المحلي وتراجع القطاع العقاري يضغطان بشدة على الاقتصاد.
يذكر أن نحو 70% من ثروات الأسر الصينية مرتبطة بالعقارات، ومع تداعي هذا القطاع على مدار السنوات الخمس الماضية، علقت المدخرات في أصول متراجعة، وبذلك توجه جزء من السيولة نحو أسواق الأسهم المحلية. ومع تشديد بكين القيود على التداول الخارجي لكبح هروب رؤوس الأموال، أصبحت خيارات المستثمرين الأفراد محدودة للغاية.
وفي هذا الصدد، حذر لين سونج، كبير اقتصاديي الصين الكبرى في بنك "آي إن جي"، من أن ضعف أداء الأسهم يولد "أثراً سلبياً على الثروة"، ما يضعف ثقة المستهلكين بدرجة أكبر.
وفي محاولة لتهدئة المخاوف، تعهد ووتشينج، رئيس الهيئة المنظمة للأوراق المالية في الصين، خلال منتدى مالي عقد في بكين الأسبوع الماضي، بإعطاء الأولوية القصوى لاستقرار الأسواق وبذل كل ما يلزم لضمان أمان النظام المالي. وأضاف قائلاً: "سنشجع أيضاً الشركات المدرجة المؤهلة على تكثيف عمليات إعادة شراء الأسهم بما يحقق عوائد أفضل للمستثمرين".

