الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية


لا تزال ضوابط رأس المال في الصين من بين الأكثر صرامة عالمياً؛ إذ يُسمح للأفراد عموماً بتحويل 50 ألف دولار فقط إلى الخارج سنوياً، بينما يُمنح المهاجرون فرصة واحدة لنقل أصولهم إلى خارج البلاد.

ومع تصاعد المخاوف بشأن آفاق الاقتصاد الصيني، إلى جانب مساعي الرئيس شي جين بينغ لكبح عدم المساواة، اتجهت كثير من العائلات الثرية إلى البحث عن موطئ قدم مالي في الخارج. وبحسب تقديرات معهد التمويل الدولي، نقلت الأسر والمؤسسات والشركات من الصين مبلغاً قياسياً يُقدّر بنحو 807 مليارات دولار خلال العام الماضي.

لكن هذا الطلب المتزايد على الأصول الخارجية، بالتزامن مع التراكم السريع للثروات الخاصة، أسهم في ازدهار صناعة سرية واسعة تستهدف التحايل على ضوابط رأس المال في الصين. ورغم استحالة تحديد الحجم الحقيقي لهروب رؤوس الأموال غير المشروع بدقة، تكشف سجلات المحاكم والإفصاحات التنظيمية ومقابلات مع مشاركين في القطاع عن شبكات متشعبة تنقل مليارات الدولارات إلى الخارج سنوياً.

وهذا دفع السلطات إلى تشديد التدقيق. وتأتي حملة الصين الأخيرة على الوسطاء الخارجيين المتهمين بمساعدة عملاء من البر الرئيسي على التداول في الخارج باعتبارها أحدث مؤشر على تكثيف الجهات التنظيمية جهودها لمراقبة حركة رأس المال العابرة للحدود، فضلاً عن ضمان الامتثال الضريبي لهذه التدفقات المالية.

فيما يلي أبرز الطرق الشائعة التي يلجأ إليها سكان البر الرئيسي للتحايل على القواعد الحكومية الصارمة وإخراج الأموال من الصين.

Mon, 08 2026

تهريب الأموال عبر الحدود

تاريخياً، مثّل نقل الأموال نقداً عبر الحدود إحدى أبسط وسائل التحايل على ضوابط رأس المال في الصين؛ إذ كانت المبالغ تُخفى غالباً داخل حقائب السفر أو السيارات أو على متن قوارب تتجه عادة إلى هونغ كونغ أو ماكاو.

غير أن تشديد إنفاذ القانون جعل هذه الممارسة أكثر خطورة وأقل كفاءة مقارنةً بمخططات أخرى، لكنها لم تختفِ تماماً. ففي عام 2024، ألقت سلطات هونغ كونغ القبض على امرأة تبلغ 62 عاماً عند معبر لوك ما تشاو الحدودي، بعدما عثرت على أوراق نقدية غير مصرح بها بقيمة تقارب 330 ألف دولار هونغ كونغي (أي ما يعادل 42 ألف دولار أمريكي)، مخبأة داخل سترة صُمّمت خصيصاً لهذا الغرض.

تجزئة الأموال عبر حصص الأفراد

تنطوي هذه الطريقة على تجنيد أشخاص في البر الرئيسي لم يستفيدوا بعد من حصتهم السنوية المسموح بها من النقد الأجنبي، والبالغة 50 ألف دولار. ومن خلال ضم حصص عشرات الأفراد، يتمكن الوسطاء من جمع مبالغ مالية ضخمة ثم نقلها إلى الخارج عبر سلسلة تحويلات تبدو في ظاهرها مشروعة.

تكشف التحقيقات الحكومية أن هذه الممارسة قد تتسع إلى نطاق كبير للغاية. ففي إحدى الحالات التي أوردتها وسائل إعلام رسمية، جند رجل 102 شخص للمساعدة في تحويل نحو 6.8 مليون دولار كندي (أي 5 ملايين دولار أميركي) إلى الخارج في عام 2020.

Fri, 12 2026

تحويلات موازية أو مصارف سرية

تُعدّ المصارف السرية من أكثر الطرق شيوعاً لنقل الأموال إلى خارج الصين، إذ تعتمد على نظام تحويل غير رسمي يُعرف في مناطق كثيرة من العالم باسم الحوالة.

في العادة، يحول عميل في البر الرئيسي الأموال إلى وسيط محلي. وبدلاً من نقل هذه الأموال فعلياً عبر الحدود، يتولى أعضاء شبكة الوسيط ترتيب دفع مبلغ معادل إلى حساب يسيطر عليه العميل خارج البر الرئيسي الصيني. ويقوم هذا النظام بشكل كبير على الثقة بين المشاركين والمصرفيين السريين الذين ينسقون المعاملات.

وبحسب الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في المملكة المتحدة، غالباً ما تسوي شبكات المصارف السرية الصينية معاملاتها باستخدام أموال متحصلة من أنشطة إجرامية، مثل تهريب المخدرات والسجائر والهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر. فعلى سبيل المثال، قد تقدم عصابة لها عمليات في الصين والمملكة المتحدة الأموال مسبقاً إلى مستفيد في لندن، على أن يجري تعويضها لاحقاً عبر مصرفيين سريين في شنغهاي.

تشير التحقيقات التي كشفت عنها السلطات إلى أن هذه الشبكات تعمل على نطاق هائل. ففي إحدى القضايا بمقاطعة قانسو غربي الصين، كشفت السلطات عن عملية مصرفية سرية بلغت أصولها 75.6 مليار يوان (أي 11.2 مليار دولار أويركي)، وفق تقرير نشرته وسائل إعلام رسمية عام 2021 نقلاً عن إدارة الدولة للنقد الأجنبي.

Tue, 09 2026

فواتير مضخمة ومعاملات وهمية

تتضمن طريقة شائعة أخرى تلاعب الشركات بعقود الاستيراد التي تتطلب تسوية المدفوعات في الخارج. ويجري ذلك عبر تضخيم قيمة السلع المستوردة، مع موافقة المورد الخارجي على تحويل الأموال الفائضة إلى حساب خارجي منفصل. وفي بعض الأحيان تكون المعاملات التجارية نفسها مزيفة بالكامل.

ففي إحدى القضايا بمدينة ونتشو شرقي الصين، ادعت شركة معاملات تجارية زوراً أنها دفعت 9 ملايين دولار مقابل واردات. كذلك استخدمت شركة أخرى في شنزن معاملات وهمية لتحويل نحو 18 مليون دولار إلى الخارج، وفق إفصاحات إدارة الدولة للنقد الأجنبي في الصين.

وغالباً ما تظهر مؤشرات تكشف احتمال عدم صحة المعاملة. إذ تُستخدم السلع مرتفعة القيمة، مثل الألماس والزمرد والمنتجات الإلكترونية، حيلةً شائعة في المعاملات التجارية المفبركة. ومن بين مؤشرات الخطر أيضاً وجود عدد كبير، على نحو غير معتاد، من المدفوعات إلى المورد نفسه من حسابات غير مرتبطة ببعضها.

مخططات استرداد الأموال

تعتمد هذه الطريقة على استخدام شخص أو شركة في الصين بطاقة مصرفية صادرة من البر الرئيسي لشراء سلع باهظة الثمن من تاجر في الخارج. لاحقاً، تُلغى المعاملة أو تُسترد قيمتها أو تُسوّى خارج النظام المصرفي الرسمي، لينتهي المطاف بالأموال في حسابات خارجية.

لسنوات طويلة، شكلت متاجر المجوهرات ومحال الرهن في ماكاو قناة شائعة لنقل الأموال إلى خارج البر الرئيسي الصيني؛ إذ كان زوار رحلات المقامرة يستخدمون بطاقات مصرفية لشراء سلع مرتفعة الثمن، مثل الساعات أو المجوهرات، ثم يعيدون بيعها سريعاً أو يستبدلونها بالنقد. كذلك مثلت كازينوهات ماكاو مساراً آخر لإخراج السيولة. غير أن السلطات شددت حملتها الرقابية عام 2014 على استخدام أجهزة الدفع الإلكتروني المحمولة داخل منتجعات الكازينوهات، وسط مخاوف من تمرير عشرات المليارات من اليوانات من الأموال غير المشروعة إلى خارج البر الرئيسي.

العملات المشفرة مسار خفي لنقل الأموال

تُعدّ العملات المشفرة إحدى الوسائل التي يلجأ إليها مقيمون صينيون لنقل الأموال إلى الخارج، رغم سلسلة الإجراءات التنظيمية المشددة. ففي عام 2017، حظرت الصين منصات تداول العملات المشفرة داخل البلاد، إلا أن المستخدمين واصلوا الالتفاف على القيود عبر شبكة من الوسطاء غير الرسميين الذين يحوّلون اليوان إلى أصول رقمية. ثم كثفت السلطات حملتها عام 2021، معلنة عزمها استئصال تعدين الأصول الرقمية، قبل أن تُجرم في عام 2022 استخدام العملات المشفرة في أنشطة جمع التمويل.

ليس هناك تقدير موثوق لحجم العملات المشفرة التي تغادر الصين. مع ذلك، قدرت شركة تحليلات بلوكتشين "تشاكونفرجناليسيس" (Chaconversioninalysis) أن شبكات غسل الأموال الناطقة بالصينية عالجت نحو 16.1 مليار دولار من معاملات العملات المشفرة غير المشروعة عام 2025، بما يبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه الأصول الرقمية في تهريب الأموال إلى خارج الصين.

التعريفات
للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية