الخميس, 1 أكتوبر 2026|18 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تدخل استثمارات السعوديين في الأسواق المالية العالمية مرحلة تنظيمية جديدة، مع توجه هيئة السوق المالية إلى وضع إطار ينظم ممارسة نشاط التعامل في الأسواق المالية خارج المملكة، في وقت تشهد فيه التداولات الخارجية نمواً ملحوظاً، ولا سيما في السوق الأمريكية، وتزايداً في إقبال المستثمرين الأفراد على الأسهم العالمية وصناديق المؤشرات.

تستطلع هيئة السوق المالية السعودية آراء العموم حيال الأحكام المقترحة لتنظيم هذا النشاط وتحديد متطلباته وضوابطه، في خطوة تستهدف وضع إطار أكثر وضوحاً للتعاملات الخارجية، وتعزيز إدارة المخاطر وحماية المستثمرين، بالتزامن مع اتساع نطاق وصول المستثمر السعودي إلى الأسواق الدولية. وتأتي الخطوة في ظل استمرار التنظيم المحلي لأعمال الأوراق المالية، إذ تشترط الهيئة الترخيص لممارسة هذه الأعمال في السعودية.

وتكشف بيانات الربع الأول من 2026 عن حجم النشاط المتزايد؛ إذ بلغت قيمة التداولات المنفذة عبر مؤسسات السوق المالية السعودية في الأسواق الخارجية نحو 264.4 مليار ريال، مقابل أصول عملاء في الأوراق المالية الخارجية بنحو 36.5 مليار ريال بنهاية الفترة، بزيادة سنوية بلغت 71%.

 «الاقتصادية» بدورها تحدثت مع خبراء وشركات تداول، لرصد الآثار المتوقعة للمشروع، وانعكاساته على إدارة المخاطر لدى المستثمرين، واستقرار السيولة في السوق المحلية ومستوى حماية المستثمرين السعوديين من الخسائر المحتملة.

نشاط تداول مرتفع مقابل أصول محدودة

يرى محلل الأسهم سلمان النعيم أن هذه الأرقام تعكس تحولاً في سلوك المستثمر السعودي، مع تصاعد الاهتمام بالأسواق الأمريكية، مدفوعاً بسهولة الوصول إلى منصات التداول واتساع الاهتمام بشركات التقنية والذكاء الاصطناعي.

ويشير النعيم إلى أن الفارق الكبير بين قيمة التداولات وحجم الأصول يشير إلى نشاط تداولي مرتفع، وليس بالضرورة إلى انتقال مماثل في حجم الثروات إلى الخارج. وبحسب تقديره، تجاوز معدل دوران المحافظ سبع مرات خلال الربع الأول، ما يزيد أهمية إدارة المخاطر، خصوصاً في الحالات التي تستخدم فيها الرافعة المالية.

ويأتي ذلك في وقت تستحوذ فيه السوق الأمريكية على النصيب الأكبر من التداولات الخارجية المنفذة عبر المؤسسات السعودية، إذ بلغت قيمة التداولات في الأسهم الأمريكية نحو 241.9 مليار ريال خلال الربع الأول، وفق البيانات المتداولة، بما يعكس تركّز اهتمام المستثمرين السعوديين في السوق الأمريكية وقطاعاتها الأكثر سيولة.

الرافعة المالية في صدارة المخاطر

يضع النعيم الرافعة المالية في مقدمة المخاطر المرتبطة بالتداول الخارجي، نظراً إلى قدرتها على تضخيم الخسائر وتسريع التسييل الإجباري للمراكز عند هبوط الأسعار.

وتشمل المخاطر، بحسب النعيم، المنتجات المالية ذات الرافعة، مثل بعض الصناديق المضاعفة ومنتجات التذبذب، إلى جانب مخاطر التوقيت والمعلومات، والالتزامات الضريبية والتوثيقية، وتقلبات أسعار الصرف.

ويرى أن مشروع هيئة السوق المالية يسهم في سد فجوة تنظيمية من خلال وضع متطلبات تتعلق بالهامش والملاءمة، مشيراً إلى أن الأحكام المقترحة تتضمن هامشاً أولياً بنسبة 50% وحداً أدنى للصيانة عند 25%، مع قيود على استخدام التمويل بالهامش لبعض المنتجات مرتفعة المخاطر.

وبحسب النعيم، فإن التحدي لا يرتبط فقط بالوسطاء المحليين، وإنما أيضاً ببعض المنصات الخارجية التي قد توفر مستويات أعلى من الرافعة المالية، ولا سيما منصات عقود الفروقات غير المرخصة.

هل يدفع التنظيم المستثمرين إلى الوسطاء الخارجيين؟

لا يتوقع النعيم انتقالاً واسعاً للمستثمرين السعوديين إلى الوسطاء الأجانب نتيجة التنظيم، مشيراً إلى أن الوسطاء الأمريكيين الخاضعين للرقابة يطبقون بدورهم متطلبات للهامش وإدارة المخاطر.

ويرى أن المخاطر الأكبر تتركز في المنصات الخارجية غير المرخصة التي تقدم رافعة مرتفعة ومنتجات عالية المخاطر، مؤكداً أن الهدف من التنظيم، من وجهة نظره، هو تقنين المخاطر وليس منع الاستثمار في الأسواق العالمية.

ويبرز هنا عامل التوعية باعتباره عنصراً مكملاً للتنظيم، خصوصاً مع دخول شريحة أكبر من المستثمرين الأفراد إلى الأسواق العالمية عبر المنصات الرقمية.

المراكز القائمة والتسييل الإجباري

فيما يتعلق بالمراكز المفتوحة قبل تطبيق القواعد الجديدة، يوضح النعيم أن الصفقات القائمة قبل الأول من نوفمبر لن تتأثر مباشرة بالمتطلبات الجديدة، وفق قراءته للمشروع، وأن الأحكام ستطبق على الصفقات الجديدة، بما يعني عدم حدوث تسييل قسري للمراكز القائمة بسبب التنظيم ذاته.

ويشير إلى أن الوسطاء قد يتجهون إلى إدارة مستويات الرافعة على المراكز القائمة تدريجياً، مع تطبيق النسب الجديدة على عمليات الشراء المستقبلية، مؤكداً أهمية التواصل المبكر مع العملاء الذين يستخدمون مستويات مرتفعة من الرافعة.

الاستثمار الخارجي مكمل للسوق المحلية

في المقابل، لا يرى الرئيس التنفيذي للأعمال والاستراتيجية في «أبيان المالية» منذر الحواس أن تنامي الاستثمار الخارجي يعني تحولاً واسعاً في ثروة المستثمر السعودي بعيداً عن السوق المحلية.

ويشير الحواس إلى أن السوق الأمريكية تتصدر اهتمامات المستثمرين السعوديين، خصوصاً الأسهم وصناديق المؤشرات المتداولة، مستفيدة من عمق السوق وتنوع القطاعات والسيولة المرتفعة، مع تركّز جانب من الطلب على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والرعاية الصحية.

ويرى أن الاستثمار الخارجي يمثل مكملاً للسوق السعودية وليس بديلاً عنها، إذ تظل السوق المحلية ركيزة أساسية في محافظ المستثمرين، بينما يتيح الانفتاح على الأسواق العالمية تنويعاً جغرافياً وقطاعياً، خصوصاً في القطاعات التي تتمتع بتمثيل أكبر في الأسواق الدولية.

سهولة الوصول توسع قاعدة المستثمرين

يعزو الحواس جانباً من تنامي الطلب على الاستثمار الخارجي إلى سهولة الوصول الرقمي إلى الأسواق العالمية، وتوافر البيانات والأسعار الفورية، وإمكانية الاستثمار بمبالغ صغيرة نسبياً.

ويتركز طلب العملاء، بحسب الحواس، على الأسهم العالمية وصناديق المؤشرات القطاعية والموضوعية، إلى جانب أدوات الدخل الثابت العالمية. كما تتزايد المطالب بخدمات الأسهم الجزئية، وساعات التداول الممتدة، وتنوع الأوامر، والأبحاث والتحليلات والأدوات الرقمية المساندة لاتخاذ القرار.

ويشير كذلك إلى اهتمام المستثمرين بخدمات التصنيف الشرعي واحتساب الزكاة والتطهير، بما يعكس طلباً على منصة استثمارية تجمع بين الوصول إلى الأسواق العالمية والامتثال للمتطلبات المحلية والشرعية.

المخاطر تتجاوز تقلبات الأسعار

من جهته، يلفت الخبير الاقتصادي أحمد الشهري إلى أن الاستثمار في الأسواق الخارجية ينطوي على مجموعة أوسع من المخاطر، تشمل تقلبات الأسواق والعملات الأجنبية، والرافعة المالية، ومخاطر الطرف المقابل، والمنتجات المالية المعقدة، إضافة إلى اختلاف الأنظمة وإجراءات التنفيذ والتسوية.

ويحذر الشهري كذلك من مخاطر التركّز في سوق واحدة، خصوصاً مع هيمنة السوق الأمريكية على اهتمام المستثمرين السعوديين، ويرى أن تنظيم الرافعة المالية والمنتجات مرتفعة المخاطر قد يسهم في الحد من تدفق السيولة إلى الخارج أو إعادة جزء منها إلى السوق المحلية.

وفي الوقت نفسه، يظل حجم هذا التأثير مرتبطاً بجاذبية الأسواق الخارجية نفسها وبمدى قدرة السوق السعودية على توفير فرص استثمارية متنوعة للمستثمرين.

تنظيم الاستثمار الخارجي بين الحماية والانفتاح

وتضع التحولات الحالية هيئة السوق المالية أمام معادلة تتمثل في تنظيم الاستثمار الخارجي من دون إغلاق الباب أمام التنويع العالمي الذي أصبح جزءاً من سلوك المستثمر السعودي.

فالأرقام تشير إلى نشاط كبير في التداول الخارجي، لكنها في الوقت ذاته تظهر فارقاً واسعاً بين قيمة التداولات وحجم الأصول المحتفظ بها في الخارج؛ إذ بلغت الأصول نحو 36.5 مليار ريال مقابل 264.4 مليار ريال من التداولات خلال الربع الأول.

وفي المقابل، بلغت ملكية الأفراد السعوديين في الأسهم المحلية نحو 883.9 مليار ريال بنهاية الربع الأول من 2026، ما يعكس استمرار ثقل السوق المحلية في محافظ المستثمرين السعوديين.

وبذلك، تبدو القاعدة الاستثمارية المحلية لا تزال الأكبر، بينما يتجه الاستثمار الخارجي إلى أداء دور متنامٍ في تنويع المحافظ والوصول إلى قطاعات ومنتجات غير متاحة بالعمق نفسه محلياً.

ومع دخول التنظيم المقترح حيز التنفيذ بعد استكمال مراحله النظامية، سيكون الاختبار الأهم في قدرته على تحقيق توازن بين حماية المستثمر من الرافعة والمنتجات عالية المخاطر، والحفاظ في الوقت نفسه على سهولة الوصول المنظم إلى الأسواق العالمية، بما يحد من المخاطر دون أن يحول الاستثمار الخارجي إلى نشاط خارج الإطار النظامي.

منتدى الاقتصادية 2026