الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

واصل قطاع التأمين السعودي مساره التصاعدي، مدفوعا باتساع قاعدة المستفيدين وتنامي الطلب على المنتجات التأمينية، إلا أن قراءة مؤشرات الأداء الأعوام الأخيرة تكشف عن تحول تدريجي في طبيعة هذا النمو، من التوسع المتسارع التي أعقبت جائحة كورونا، إلى مرحلة أكثر نضجا واستقرارا.

بحسب بيانات تقرير "سوق التأمين السعودي" الصادر عن هيئة التأمين، تضاعف حجمه خلال 4 أعوام، مرتفعا من 42 مليار ريال في 2021 إلى 84 مليار ريال في 2025، في مؤشر يعكس تنامي الدور الذي يؤديه القطاع في حماية الأفراد والأعمال والأنشطة الاقتصادية، بالتوازي مع التحولات الاقتصادية التي تقودها رؤية السعودية 2030، والاستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين.

Fri, 23 2026

النمو يتجه إلى الاستقرار

رغم تضاعف حجم السوق، تشير الأرقام إلى أن معدلات النمو بدأت تتجه تدريجيا نحو مستويات أكثر استقرارا بعد الأداء الاستثنائي المسجل في السنوات الأولى من الفترة، فبعد نمو اسمي بلغ 26.9% خلال 2022، وبنحو 22.7% في 2023، تباطأت الوتيرة إلى 16.3% خلال 2024، ثم إلى 10.7% في 2025.

هذا التباطؤ لا يعني بالضرورة ضعفا في أداء القطاع، بقدر ما يعكس انتقال السوق من قاعدة أقل حجما ومرحلة توسع سريعة، إلى سوق أكبر وأكثر نضجا، تصبح فيه المحافظة على معدلات نمو مرتفعة أكثر صعوبة، فيما تتزايد أهمية جودة النمو واستدامته وربحيته.

الصحي والمركبات يقودان النمو

نمو السوق تركز بصورة لافتة في التأمين الصحي وتأمين المركبات، اللذين استحوذا معا على 89% من إجمالي نمو الأقساط المكتتبة خلال العام، فيما ساهم التأمين الصحي وحده بنحو 68% من النمو.

هذا التركز يحمل دلالتين رئيسيتين، فمن جهة يعكس اتساع مظلة الحماية التأمينية، مع ارتفاع عدد المستفيدين من التأمين الصحي 10.5% إلى 14.47 مليون مستفيد، وزيادة عدد المركبات المؤمن عليها بنسبة 6.8% إلى 11 مليون مركبة.

ومن جهة أخرى، يكشف الاعتماد الكبير على هذين الفرعين عن درجة مرتفعة من التركز في محركات نمو السوق، وهو ما يزيد من تأثير أي تغيرات مستقبلية في أداء التأمين الصحي أو المركبات على النتائج الإجمالية للقطاع، ويعزز أهمية تنويع قاعدة المنتجات والفروع التأمينية خلال المرحلة المقبلة.

Tue, 11 2025

متوسط هامش الملاءة 7%

على صعيد المتانة المالية، حافظ القطاع على مستويات رأسمالية مريحة في المجمل، إذ بلغ متوسط معدل هامش الملاءة 156.7% خلال 2025، متجاوزا الحد الأدنى التنظيمي المطلوب.

غير أن المتوسط العام لا يعكس بالضرورة الصورة الكاملة، في ظل وجود تفاوت بين فئات الشركات؛ فبينما تحتفظ الشركات الكبيرة والمتوسطة بهوامش أمان مريحة نسبيًا، تسجل بعض الشركات الأصغر حجما مستويات أقل، ما يجعلها أكثر حساسية للصدمات السوقية أو المتطلبات التنظيمية الجديدة.

تكتسب قوة المراكز الرأسمالية أهمية متزايدة مع اقتراب تطبيق إطار رأس المال المبني على المخاطر في 1 يناير 2027، والذي ينتظر أن يجعل تقييم كفاية رأس المال أكثر ارتباطا بطبيعة وحجم المخاطر الفعلية التي تتحملها كل شركة، مقارنة بالنهج الحالي الأكثر تعميما.

ومن شأن التحول إلى هذا الإطار أن يرفع أهمية إدارة المخاطر وجودة رأس المال وكفاية الاحتياطيات، وقد يدفع بعض الشركات إلى تعزيز قواعدها الرأسمالية وتحسين كفاءتها التشغيلية والاستثمارية استعدادًا للمتطلبات الجديدة.

استثمارات القطاع 72 مليار ريال

بجانب نشاط الاكتتاب، يشكل الاستثمار ركيزة مهمة لدعم ربحية القطاع وقدرته على استيعاب الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف المطالبات، إذ بلغت المحفظة الاستثمارية لسوق التأمين 72 مليار ريال خلال 2025، فيما سجل دخل الاستثمار الأساسي 1.59 مليار ريال.

لكن استدامة النمو لا تتوقف على قوة المحافظ الاستثمارية وربحية الشركات فحسب، إذ تظل جودة الخدمة وتجربة المستفيد وسرعة معالجة المطالبات من العناصر الأساسية لبناء الثقة وتعزيز قدرة السوق على التوسع على المدى الطويل.

في هذا السياق، سددت شركات التأمين السعودية مطالبات بقيمة 53 مليار ريال خلال 2025، بزيادة 10% مقارنة بعام 2024، ما يعكس حجم الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي يؤديه القطاع في نقل المخاطر وتوفير الحماية المالية للأفراد والمنشآت.

Sun, 05 2026

440 ألف شكوى خلال عام

وفي مقابل توسع حجم الأعمال والمطالبات، تلقت هيئة التأمين خلال العام الماضي أكثر من 440 ألف شكوى، استحوذت الشكاوى المرتبطة بالمطالبات على نحو 76% منها.

رغم أن ارتفاع عدد الشكاوى قد يثير تساؤلات بشأن تجربة المستفيدين وجودة الخدمات المقدمة، فإن قراءة المؤشر تتطلب النظر كذلك إلى اتساع قاعدة المؤمن عليهم وارتفاع حجم العمليات والمطالبات، فضلًا عن سهولة الوصول إلى قنوات تقديم الشكاوى وتعزيز آليات حماية الحقوق.

يجعل ذلك من سرعة معالجة الشكاوى، وتحسين إجراءات تسوية المطالبات، ورفع مستويات الشفافية والتواصل مع المستفيدين، مؤشرات أكثر أهمية في تقييم جودة السوق خلال المرحلة المقبلة.

رقابة صارمة على سلوك السوق

تزامن نمو السوق مع تعزيز الدور الرقابي لهيئة التأمين، التي أصدرت خلال العام أكثر من 180 قرارا تنفيذيا، بقيمة غرامات بلغت 25 مليون ريال، توزعت على مخالفات إشرافية وتنظيمية، والأمن السيبراني، وحماية العملاء، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

لم تقتصر الإجراءات على الغرامات المالية، بل شملت إلغاء تراخيص، وإيقاف مسؤولين تنفيذيين، إلى جانب إلزام شركات بإجراء مراجعات وإجراءات تصحيحية، في مؤشر على تصاعد دور الرقابة في ضبط سلوك السوق وتعزيز الامتثال وحماية المستفيدين.

التوازن بين النمو والمخاطر

دخل قطاع التأمين السعودي 2026، وهو يحافظ على مسار النمو والاستقرار العام، إلا أن المرحلة المقبلة تضع أمامه معادلة أكثر تعقيدا تتمثل في مواصلة التوسع، بالتزامن مع احتواء أثر التضخم في تكاليف المطالبات، وتعزيز مرونة رأس المال، والمحافظة على استدامة التغطيات التأمينية وجودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.

مع اقتراب تطبيق إطار رأس المال المبني على المخاطر مطلع 2027، ستصبح قوة الشركات أكثر ارتباطا بعمق هوامش الأمان الرأسمالية وجودة رأس المال وتقلبات نتائج الاكتتاب وكفاية الاحتياطيات ومخاطر الأصول، إلى جانب قدرتها على اجتياز اختبارات الأوضاع الضاغطة.

قد تمتد انعكاسات هذه المتغيرات إلى القدرة المالية للشركات، ومستويات المنافع والمطالبات، وفترات إنجاز المعاملات، والاستثناءات، ومدى توافر بعض التغطيات التأمينية، ما يضع الكفاءة التشغيلية وإدارة المخاطر وجودة تجربة المستفيد في صدارة أولويات السوق.

في المقابل، تستند النظرة المستقبلية للقطاع إلى المستهدفات التي تقودها الاستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين، باعتبارها خارطة طريق لتطوير سوق أكثر قوة وتنوعًا واستدامة، قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية في المملكة، وتعزيز الحماية المالية للأفراد والأعمال، ورفع مساهمة قطاع التأمين في مسيرة التنويع الاقتصادي.

بعد أن نجح السوق في مضاعفة حجمه خلال 4 أعوام، يبدو أن الاختبار المقبل لن يتمثل في حجم النمو وحده، وإنما في جودته واستدامته وقدرة الشركات على تحويل التوسع الكمي إلى سوق أكثر كفاءة وربحية ومرونة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية