وسط تصاعد التوترات التجارية العالمية وتلبّد آفاق الأسواق، برزت المعادن النفيسة كملاذ آمن للمستثمرين. غير أن التوجه نحو الذهب والنحاس يتطلب فهمًا أعمق للفروق الجوهرية بين المعدنين، إذ إن صعودهما المتزامن لا يعكس دافعًا واحدًا بقدر ما يشير إلى إشارات متباينة حول التضخم والنمو والاستقرار المالي.
منذ بداية عام 2026، واصل الذهب والنحاس تسجيل مستويات قياسية جديدة، إلا أن استجابتهما للأسواق المالية تختلف جذريًا. فالارتفاع المشترك بينهما لا يبدو مصادفة، بل تحذيرًا من حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي، حسب ما ذكرت "بارونز".
لماذا يلمع الذهب؟
على عكس النحاس، لا تُعد ديناميكيات العرض والطلب الفعلي المحرك الأساسي لأسعار الذهب. العامل الحاسم هنا هو الطلب الاستثماري، سواء عبر السبائك والعملات أو الصناديق المتداولة في البورصة. ووفقًا لمجلس الذهب العالمي، شكّل الاستثمار 41% من إجمالي الطلب النهائي على الذهب خلال الربع الثالث من 2025، فيما جاءت المجوهرات في المرتبة الثانية 28%.
ورغم استخدام الذهب في بعض التطبيقات الصناعية، مثل الدوائر الإلكترونية، فإنه لا يمثل سوى 6% من الطلب النهائي، في مقابل اعتماد شبه كامل للنحاس على الاستخدامات الصناعية.
النحاس كمؤشر اقتصادي
يُستخدم أكثر من ثلثي الإنتاج السنوي من النحاس في قطاع البناء، بما يشمل أعمال السباكة والأسلاك، إضافة إلى المعدات الصناعية مثل كابلات نقل الطاقة والمحركات الكهربائية والرقائق الإلكترونية. ومع التوسع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بات هذا القطاع وحده يمثل 7% من الطلب العالمي، أي نحو 1.7 مليون طن.
هذا الانتشار الواسع دفع بعض المتداولين إلى اعتبار النحاس مؤشرًا للنشاط الاقتصادي العالمي، غير أن واقعه يعكس بشكل أوضح وتيرة النمو الصناعي في الصين، أكبر مستهلك للنحاس عالميًا، إذ استحوذت على نحو 60% من الطلب العالمي خلال العام الماضي.
مساران متباينان؟
تبدو العوامل الداعمة للأداء القوي للذهب مرشحة للاستمرار، إذ قدّر محللو "سيتي جروب" هذا الشهر احتمال وصول سعر الأونصة إلى 5 آلاف دولار خلال 3 أشهر. وقد تحقق هذا المستوى بوتيرة أسرع من المتوقع، حيث جرى تداول عقود الذهب الآجلة عند 5,089 دولارا، مرتفعة بنحو 17.5% منذ بداية يناير.
في المقابل، قد يواجه النحاس ضغوطا معاكسة، إذ توقعت "جولدمان ساكس" تراجع سعره في بورصة لندن للمعادن إلى 11 ألف دولار للطن بحلول ديسمبر 2026، مقارنة بمستوياته الحالية قرب 13,115 دولارا. وأشارت إلى أن الطلب الصيني في الربع الرابع من 2025 جاء دون التوقعات، فضلا عن أن ارتفاع الأسعار قد يدفع المصنّعين إلى التحول نحو الألمنيوم، خاصة في قطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية.
كما أثارت تهديدات الرئيس دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية على واردات من دول أوروبية، قبل أن يتراجع عنها، مخاوف من اندلاع حرب تجارية جديدة قد تؤثر سلبًا في النمو العالمي، وبالتالي في الطلب على النحاس.
وفي ظل هذه التقلبات، يبقى الدرس الأهم للمستثمرين واضحًا: الذهب أداة للتحوط والصمود، بينما يمثل النحاس رهانًا على النمو طويل الأجل. ومع استمرار الضبابية الجيوسياسية، سيكون الانضباط والاستعداد لتحمل دورات السوق عاملًا حاسمًا في أي إستراتيجية استثمارية.

