في مطلع القرن الثامن عشر، عانت المستعمرات الأمريكية انكماشا اقتصاديا حادا وصل لمستويات الكساد. لم تدر حروب، ولا ذعر مالي، ولا شرير واضح باستثناء "اللحية السوداء". فقد بلغت القرصنة في المحيط الأطلسي أوج قوتها، وحاصرت الموانئ وشلت طرق التجارة، لتنهار إمدادات النقد ويتبعها الاقتصاد.
هذا النوع من السببية لا يتناسب مع نظريات "دورة الاقتصاد" التقليدية، وهذا هو جوهر ما يطرحه تايلر جودسبيد، كبير الاقتصاديين في شركة "إكسون موبيل" والرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين الأمريكي، في كتابه الجديد "الركود: الأسباب الحقيقية وراء انكماش الاقتصادات وماذا نفعل حيال ذلك"، نقلا عن مجلة "فورتشن".
خرافة الأنماط المتكررة
بعد تمشيط بيانات اقتصادية تمتد لأربعة قرون، خلص جودسبيد إلى نتيجة قد تبدو محبطة للبعض: "الركود ليس دورة، بل حدث عشوائي". ويرى أن الاقتصادات لا تنكمش لأنها "تعبت" من النمو، بل لأن التاريخ يستمر بمفاجآته غير المتوقعة.
يقول جودسبيد إن البشر "ثدييات تبحث عن الأنماط" بطبيعتها، فنحن نحاول ربط الصدمات بأفعال سابقة كي نصححها مستقبلاً. لكن البيانات الإحصائية لا تدعم نظريات الدورات. لم يجد جودسبيد أي علاقة بين طول فترة الانتعاش ووطأة الركود الذي يليه، والطفرة الطويلة لا تعني بالضرورة انفجاراً وشيكاً، والبيانات "سلسلة من الصدمات العشوائية"، وليست إيقاعاً متكرراً.
المحركات الحقيقية: الحرب والطاقة
إذا لم تكن دورات، فما الذي يسبب الركود؟ الإجابة لدى جودسبيد. الصدمات الهائلة التي يصعب تعويض مخرجاتها، وعلى رأسها الحروب والطاقة. فالطاقة أساس كل شيء، من الأسمدة والصلب إلى النقل، وعندما تضطرب إمداداتها، لا يجد الاقتصاد مفرًا.
ويعيد جودسبيد قراءة الأزمات الحديثة بعيداً عن السرديات الشائعة، فيرى أن ركود 2008 لم تسببه الأدوات المالية المعقدة فحسب، بل كانت الشرارة الحقيقية هي القفزة القياسية في أسعار النفط في يونيو 2008، والتي استنزفت ميزانيات الأسر. كما يرى أن "ركود دوت كوم" عام 2001 هو تسمية خاطئة، إذ يجب تسميته "ركود 11 سبتمبر"، لأن التراجع الفعلي حدث في الربع الذي شهد الهجمات. أما "الكساد الكبير"، فيعزوه إلى تضافر صدمات متعددة، من السياسات المالية الانكماشية إلى آفات الجراد، وليس لسبب واحد أو "شرير" وحيد.
خرافة "التطهير"
من أكثر النتائج إثارة للدهشة في بحث جودسبيد هي تفنيد فكرة أن الركود يعمل كـ "منظف" للاقتصاد يطرد الشركات الضعيفة. تظهر البيانات أن الركود لا يمارس أي وظيفة تطهيرية، بل على العكس، يضر بالشركات الناشئة والعمال المهمشين بينما يحمي الشركات الكبرى الراسخة. كما ينكمش البحث والتطوير بشدة خلال الأزمات، وعندما ينتهي الركود، يبدو تكوين الاقتصاد مشابهاً جداً لما كان عليه قبل الأزمة، لكن مع أضرار جسيمة في النمو المفقود.
السياسة المثلى: "لا تضر"
ينصح جودسبيد صناع السياسات والشركات بتبني مبدأ طبي قديم: "أولاً، لا تضر". فإذا كان الركود عشوائياً وغير متوقع، فإن سياسات التقشف المالي أو التشدد النقدي أثناء الأزمة تزيد الأمر سوءاً. وبما أن التنبؤ بالصدمات مستحيل، فإن أفضل ما يمكن للشركات فعله هو التفكير بمنطق "التأمين" للحد من الآثار السلبية عند وقوع الصدمة المحتومة.
والخلاصة، استلهاماً من منهج أبقراط الطبي، عندما يحل الركود، فإن الواجب الأول على صانعي السياسات هو عدم إلحاق الضرر. وما دون ذلك، فإن التاريخ يسير في طريقه المحتوم الذي لا يمكن رده.

