دفعت 3 عوامل رئيسية أسعار الذهب إلى التصحيح بعد أن وصلت إلى ذروة تاريخية في يناير، فرغم ارتفاع المعدن بنسبة 30% خلال ذلك الشهر، فقد أظهرت السوق قدرتها على استيعاب هذه الحركة الاستثنائية وتسجيل تصحيح محدود، وفق ما ذكره لـ"الاقتصادية" أندرو نايلور، رئيس شؤون الشرق الأوسط والسياسات العامة في مجلس الذهب العالمي.
من أبرز هذه العوامل تراجع التوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي بعد ترشيح كيفن وارش، كذلك، أدت التوترات في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة توقعات التضخم، مما زاد من تكلفة الفرصة البديلة لاحتفاظ الذهب، بحسب نايلور.
وقال إنه رغم وصوله إلى أعلى مستوى له على الإطلاق في يناير، شهد الذهب تراجعاً حاداً، حيث أنهى الربع الأول من عام 2026 بارتفاع يزيد قليلاً عن 3% منذ بداية العام.
وأوضح نايلور أن بعض المستثمرين الغربيين قاموا بتصفية مراكزهم لتغطية خسائر في أسواق أخرى، تزامناً مع موجة بيع في أسواق الأسهم. وأشار إلى أن سوق الذهب في دبي شهدت بعض الاضطرابات، لكن هذا التماسك يُعد طبيعياً ضمن السياق العام للسوق، حيث تستمر العوامل الهيكلية الداعمة على المدى الطويل.
تهم هذه العوامل المستثمرين والأسواق العالمية، وتبرز أهمية مراقبة التغيرات في السياسات الاقتصادية والجيوسياسية لتعزيز استراتيجيات الاستثمار المستقبلية.
وأردف نايلور أن الذهب دخل عام 2026 مدعوما بعوامل قوية، تشمل التوترات الجيوسياسية، والمخاوف المرتبطة بالسياسات الأمريكية، إضافة إلى استمرار توجه البنوك المركزية لتنويع احتياطياتها بعيدا عن الدولار.
سجل الطلب العالمي على الذهب خلال الربع الأول من 2026 قيمة قياسية بلغت 193 مليار دولار، بزيادة 74% على أساس سنوي، رغم نمو محدود في الكميات عند 2% فقط، في انعكاس مباشر لتأثير الأسعار القياسية على هيكل السوق واتجاهات المستثمرين، بحسب تقرير صادر من مجلس الذهب العالمي " اتجاهات الطلب على الذهب ".
أظهر التقرير ، أن إجمالي الطلب - بما يشمل التداولات خارج البورصة - بلغ 1,231 طنا خلال الربع الأول من 2026، مسجلا نموا سنويا طفيفا، مقابل قفزة غير مسبوقة في القيمة مدفوعة بارتفاع الأسعار إلى مستويات تاريخية.
وعلى صعيد مكونات الطلب، قاد الاستثمار الفردي موجة النمو، حيث ارتفع الطلب على السبائك والعملات بنسبة 42% ليصل إلى 474 طنا، مدعوما بالإقبال على الذهب كملاذ آمن، وسجلت الصين وحدها قفزة قياسية بنسبة 67% إلى 207 أطنان، متجاوزة أعلى مستوياتها التاريخية السابقة.
وامتد هذا الزخم إلى أسواق آسيوية رئيسية مثل الهند وكوريا الجنوبية واليابان، في مؤشر على تحول هيكلي نحو الاستثمار المباشر في الذهب، كما ارتفع الطلب في الولايات المتحدة وأوروبا بنسبة 14% و50% على التوالي.
وفي المقابل، واصلت صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب تسجيل تدفقات إيجابية خلال الربع الأول، مع زيادة الحيازات بنحو 62 طنا، بقيادة الصناديق الآسيوية، رغم ضغوط بيعية ظهرت في مارس من الصناديق الأمريكية حدّت من وتيرة النمو.
على الجانب الاستهلاكي، تراجع الطلب على المجوهرات بنسبة 23% إلى 300 طن، متأثرا بارتفاع الأسعار، مع انخفاضات واضحة في الصين (-32%) والهند (-19%) والشرق الأوسط (-23%). إلا أن القيمة الإجمالية للإنفاق على المجوهرات ارتفعت، ما يظهر استمرار الطلب رغم الضغوط السعرية، وتحول جزء من الإنفاق نحو السبائك والعملات لأغراض ادخارية.
وفي سياق الدعم الهيكلي للسوق، واصلت البنوك المركزية تعزيز احتياطياتها بإضافة 244 طنا خلال الربع الأول، متجاوزة متوسط السنوات الخمس، في تأكيد على دور الذهب كأصل احتياطي في فترات عدم اليقين.
أما من جانب العرض، فقد ارتفع إجمالي المعروض بنسبة 2% ليعادل مستوى الطلب عند 1,231 طنا، مدعوما بإنتاج قياسي من المناجم، في حين ظل نمو إعادة التدوير محدودا عند 5% فقط، ما يعكس تشددا نسبيا في جانب العرض.
وبيّن أن هذه العوامل دفعت الأسعار لتجاوز 5000 دولار للأونصة لأول مرة، مع تسجيل مستويات قياسية فوق 5400 دولار، مدفوعة بالطلب على الملاذات الآمنة وعمليات الشراء من البنوك المركزية والمستثمرين الأفراد في آسيا، إلى جانب عمليات شراء قائمة على الزخم وإعادة التموضع التكتيكي.
لويز ستريت، كبيرة محللي الأسواق في "مجلس الذهب العالمي، قالت إن عام 2026 شهد تقلبات ملحوظة في أسعار الذهب، حيث بلغت الأسعار ذروتها فوق 5400 دولار للأونصة في يناير قبل أن تشهد تصحيحا مهما لكن منضبطا. وقد أسهم مزيج زخم الأسعار وارتفاع المخاطر الجيوسياسية في دفع الطلب الاستثماري، ولا سيما في آسيا، حيث اتجه المستثمرون إلى الذهب المادي بحثا عن الأمان، في حين عوّضت مشتريات البنوك المركزية المستمرة عمليات البيع التكتيكية."
وأضافت لويز: "بالنظر إلى المستقبل، من المتوقع أن تواصل المخاطر الجغرافية الاقتصادية دعم الطلبا لاستثماري، رغم أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول قد يشكّل عائقا، خصوصا في الأسواق الغربية، وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يظل الإنفاق على المجوهرات قويا من حيث القيمة، حتى مع تأثر أحجام المبيعات بارتفاع الأسعار، بينما يُرجّح أن يشهد إنتاج المناجم نموا متواضعا، قد تحدّه التحديات المرتبطة بالطاقة."

