تجاوزت أسواق الأسهم في كوريا الجنوبية نظيرتها في ألمانيا من حيث القيمة السوقية، مدفوعة بعمالقة التكنولوجيا الذين استفادوا من طفرة عالمية في الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
ارتفعت القيمة السوقية لسوق الأسهم في الدولة الآسيوية إلى 3.25 تريليون دولار، بعد إضافة نحو 1.7 تريليون دولار منذ بداية 2025، وفق بيانات جمعتها "بلومبرغ" حتى اليوم. تجاوز ذلك قيمة السوق الألمانية البالغة 3.22 تريليون دولار، لتصبح كوريا الجنوبية عاشر أكبر سوق أسهم في العالم، مباشرة بعد تايوان.
سوق كوريا الجنوبية
يُبرز هذا التبدل في الترتيب الصعود السريع للأسهم الكورية الجنوبية، مدفوعاً بإصلاحات داعمة للمساهمين والدور المحوري الذي تلعبه البلاد في سلسلة إمدادات الذكاء الاصطناعي العالمية. قفز المؤشر القياسي "كوسبي" 23% في 2026، في حين ارتفع مؤشر "داكس" الألماني بنسبة 1.7% فقط، متأثراً بحالات عدم اليقين الجيوسياسي وغياب الوضوح بشأن اللجوء لإجراءات التحفيز الاقتصادي.
قال كيث بورتولوتزي، المدير الإداري في شركة "إمباكتفول بارتنرز" (Impactfull Partners) ومقرها سنغافورة: "لم تعد كوريا الجنوبية مجرد مؤشر على التجارة العالمية؛ بل هي السوق الوحيدة حالياً المتموضعة عند عنق الزجاجة لثلاثة من أهم الاتجاهات الكبرى في عشرينيات هذا القرن وهي الذكاء الاصطناعي والتحول إلى الكهرباء والدفاع". أضاف أن أرباح الشركات الألمانية تواجه تراجعاً هيكلياً في قطاعي السيارات والكيماويات، في حين تستفيد كوريا الجنوبية من دورة فائقة مدفوعة بإعادة التسلح وبنية الذكاء الاصطناعي التحتية.
أسهم الدعم العلني الذي أبداه الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ لسوق الأسهم ودفعه لإصلاحات حوكمة الشركات في إشعال موجة الصعود العام الماضي. وتزامنت هذه الجهود مع شح الإمدادات وارتفاع أسعار رقائق الذاكرة، ما أدى إلى مكاسب حادة في أسهم "سامسونج إلكترونيكس" و "إس كيه هاينكس" (SK Hynix). كما أشعل ازدهار الروبوتات مكاسب قوية في "هيونداي موتور" والشركات التابعة لها. وحمل الزخم المؤشر القياسي لتجاوز مستوى 5000 نقطة للمرة الأولى الأسبوع الماضي.
أسهم كوريا الجنوبية مازالت رخيصة الثمن
ما زالت الأسهم الكورية الجنوبية رخيصة نسبياً، إذ يُتداول مؤشر "كوسبي" عند 10.6 مرة من تقديرات الأرباح المستقبلية، مقارنة بتداول المؤشر الألماني عند 16.5 مرة، وفق بيانات جمعتها "بلومبرغ".
رغم لحاق كوريا بألمانيا من حيث القيمة السوقية للأسهم، لا تزال الفجوة كبيرة بين حجم اقتصادي البلدين. ففي 2024، احتلت كوريا المرتبة الثانية عشرة عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي، بينما جاءت ألمانيا في المركز الثالث، بحسب بيانات البنك الدولي. كان اقتصاد أكبر دولة في أوروبا أكبر بنحو 2.5 مرة، عند حوالي 4.69 تريليون دولار مقابل 1.88 تريليون دولار.
يعكس الفارق بين سوق الأسهم الكورية الجنوبية والاقتصاد الحقيقي انقساماً هيكلياً بين أرباح الشركات القائمة على الصادرات وضعف الطلب المحلي، بحسب جونغ وو بارك، الخبير الاقتصادي لدى "نومورا هولدينغز". أوضح أن معظم الشركات المدرجة في "كوسبي" تحقق إيراداتها أساساً من الصادرات، في حين يعتمد الاقتصاد الأوسع أكثر على الاستهلاك والبناء، حيث تراجع النشاط.
مسار متغير
تقدم مسار "كوسبي" على المؤشر الألماني "داكس" العام الماضي مع تلاشي الآمال في تحفيز سريع في أكبر اقتصاد أوروبي. كما ساعدت هيمنة قطاع التكنولوجيا في كوريا الجنوبية -يمثل نحو 40% من وزن "كوسبي"- في دعم الأداء، في حين تشكل الشركات الصناعية والدفاعية وزناً كبيراً في "داكس".
ومن بين أبرز الرابحين في ألمانيا هذا العام شركات الأدوية "باير" (Bayer)، و"سيمنز إنرجي" (Siemens Energy)، ومقاول الدفاع "راينميتال" (Rheinmetall).
قال دومينيك تراوت، مدير المحافظ لدى "يوليوس باير": "دخلنا العام بقدر أكبر من التردد"، مشيراً إلى أن السوق باتت أكثر واقعية بشأن أثر التحفيز.
قفز مؤشر "داكس" في مطلع 2025 بفضل توقعات بأن الحكومة الجديدة سترفع الإعفاءات الضريبية وتطلق مليارات اليوروهات من الإنفاق. بينما بدأ ذلك يتبلور، أدى غياب خارطة طريق واضحة لموعد ومجالات استخدام إجراءات التحفيز الاقتصادي- الذي قد تصل إجمالي تكلفتها المحتملة إلى تريليون يورو، بما في ذلك زيادة الإنفاق الدفاعي- إلى تعثر الصعود مع التوجه إلى 2026.
قال لوكا باوليني، كبير الخبراء الاستراتيجيين في "بيكتيه أسيت مانجمنت" (Pictet Asset Management): "يتشابه اقتصادا كوريا الجنوبية وألمانيا في نواح كثيرة، فكلاهما يعتمد بقوة على الصادرات. الاختلاف الجوهري هو التكنولوجيا. قبل نحو 20 عاماً كانت ألمانيا تنافس على الصدارة، لكن عندما تنظر اليوم إلى الأسهم الألمانية، لا تجد الكثير من التكنولوجيا".

