تواصل واردات السعودية من السيراميك والبلاط والبورسلان مسارها النزولي، في وقت تتجه فيه السوق المحلية إلى الاعتماد بصورة أكبر على الإنتاج الوطني، مدفوعة بتوسع الطاقات التصنيعية وفرض رسوم جمركية وتدابير لمكافحة الإغراق على عدد من مصادر الاستيراد.
وبحسب بيانات حصلت عليها «الاقتصادية» من هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، تراجعت واردات السعودية من السيراميك والبلاط والبورسلان خلال 2025 بنسبة 7.5%، لتبلغ نحو 2.03 مليون طن، مقابل نحو 2.20 مليون طن في 2024، بانخفاض قدره نحو 165.5 ألف طن.
وخلال النصف الأول من 2026، بلغت واردات السعودية من هذه المنتجات نحو 815.5 ألف طن، بما يظهر استمرار حضور الواردات في السوق، بالتزامن مع نمو القدرات الإنتاجية للمصانع المحلية.
يأتي تراجع الكميات المستوردة رغم استمرار نمو الطلب على منتجات السيراميك والبورسلان، مدفوعاً بالتوسع في المشاريع العمرانية والتنموية، خصوصاً في القطاعات السكنية والسياحية والتجارية، ما يدفع المنتجين المحليين إلى زيادة الطاقة الإنتاجية وتطوير عمليات التصنيع لتلبية احتياجات السوق، بحسب مستثمرين وتجار في القطاع تحدثوا لـ"الاقتصادية".
الرسوم ومكافحة الإغراق تعيد تشكيل خريطة الاستيراد
ويربط المستثمرون والتجار، انخفاض الواردات خلال 2025 بعوامل عدة، من أبرزها تطبيق الرسوم الجمركية وتدابير مكافحة الإغراق على عدد من مصادر الاستيراد، إلى جانب توسع الطاقة الإنتاجية للمصانع السعودية خلال السنوات الماضية، ما عزز قدرتها على تغطية جانب أكبر من الطلب المحلي.
وتزامن ذلك مع قرار الأمانة الفنية لمكافحة الممارسات الضارة في التجارة الدولية التابعة لمجلس التعاون الخليجي، تمديد فرض الرسوم النهائية لمكافحة الإغراق على واردات دول المجلس من بلاط السيراميك والبورسلان ذات المنشأ والمصدرة من الصين والهند لمدة 5 سنوات إضافية، ابتداء من 28 مايو 2026، وفق تعميم اطلعت عليه «الاقتصادية» ونشرته في وقت سابق.
راوحت الرسوم المفروضة على الشركات الصينية بين 23.5% و58%، فيما راوحت على بعض الشركات الهندية بين 17.6% و70.2%. وتصل الرسوم إلى 76% على باقي المصدرين من الصين، و106% على باقي المصدرين من الهند.
وتشكل هذه الرسوم أحد العوامل التي تؤثر في تكلفة المنتجات المستوردة وقدرتها التنافسية في السوق السعودية، في وقت تسعى فيه الصناعة المحلية إلى توسيع حصتها من الطلب المتنامي.
إنتاج محلي يتجاوز الاستهلاك
في مؤشر على اتساع قاعدة الإنتاج المحلية، أوضح المهندس طه خياط، رئيس اللجنة الوطنية لمصنعي السيراميك والبورسلان في اتحاد الغرف السعودية، لـ«الاقتصادية» في وقت سابق، أن المصانع السعودية تنتج نحو 620 مليون متر مربع سنوياً من السيراميك والبورسلان، مقابل استهلاك محلي يقدر بنحو 300 مليون متر مربع.
ويظهر الفارق بين الطاقة الإنتاجية والاستهلاك المحلي اتساع القاعدة الصناعية للقطاع، وقدرة المصانع السعودية على إنتاج كميات تتجاوز احتياجات السوق المحلية، إلى جانب بناء منظومة تصنيع متطورة خلال السنوات الماضية.
ويأتي نمو القدرات المحلية في وقت تشهد فيه السعودية توسعاً في المشاريع السكنية والسياحية والتجارية ومشاريع البنية التحتية، وهي قطاعات ترتبط بمستويات مرتفعة من الطلب على مواد التشطيب والبناء، وفي مقدمتها السيراميك والبورسلان.
انخفاض الكميات رغم زيادة البيانات الجمركية
في مقابل انخفاض الوزن الإجمالي للواردات، أظهرت البيانات ارتفاع عدد البيانات الجمركية المسجلة لهذه المنتجات خلال 2025 إلى نحو 49.1 ألف بيان، مقابل نحو 42.7 ألف بيان في 2024، بزيادة بلغت نحو 15%.
ويشير ذلك إلى أن انخفاض إجمالي الكميات المستوردة لم يصاحبه تراجع في عدد العمليات أو البيانات الجمركية، بل ارتفع عددها خلال الفترة نفسها، ما يظهر تغيراً في طبيعة وحجم الشحنات المستوردة وتوزيعها بين الموردين والأسواق.
الصين في الصدارة
على مستوى مصادر الاستيراد، تصدرت الصين قائمة الدول المصدرة للسيراميك والبورسلان إلى السعودية خلال 2025، بإجمالي بلغ نحو 289.2 ألف طن، شكلت نحو 14.2% من إجمالي الواردات.
وجاءت الإمارات في المرتبة الثانية بنحو 209.1 ألف طن، بحصة بلغت 10.3%، تلتها عُمان بنحو 205 آلاف طن، وبحصة 10.1%.
وحلت الأردن في المرتبة الرابعة بنحو 154.5 ألف طن، بحصة بلغت 7.6%، ثم إيطاليا بنحو 117.2 ألف طن، وبحصة وصلت إلى 5.8%.
وبذلك استحوذت الدول الخمس الأولى مجتمعة على نحو 47.9% من إجمالي وزن واردات السعودية من السيراميك والبلاط والبورسلان خلال 2025.
وتكشف خريطة الاستيراد عن تنوع نسبي في مصادر توريد السوق السعودية، رغم تصدر الصين، في حين يأتي استمرار تدفق المنتجات من الأسواق الإقليمية والأوروبية بالتزامن مع تغيرات تنظيمية وتجارية تستهدف الحد من الممارسات الضارة في التجارة الدولية.
النصف الأول من 2026.. السوق بين الطلب والإنتاج
مع بلوغ الواردات نحو 815.5 ألف طن خلال النصف الأول من 2026، تدخل سوق السيراميك والبورسلان مرحلة تتقاطع فيها 3 عوامل رئيسية: الطلب المتنامي بفعل المشاريع، واتساع الطاقة الإنتاجية المحلية، وتشدد الإجراءات التجارية على بعض الواردات.
وبينما تواصل المشاريع العمرانية والتنموية دعم الطلب على منتجات القطاع، فإن نمو الإنتاج المحلي وتوسع المصانع السعودية يرفع قدرة السوق على استيعاب هذا الطلب من مصادر محلية، في الوقت الذي تجعل فيه الرسوم ومكافحة الإغراق بعض مسارات الاستيراد أكثر تكلفة.
وبذلك لا يعني تراجع الواردات بالضرورة انكماشاً في سوق السيراميك والبورسلان، بقدر ما يشير إلى تغير في مزيج مصادر تلبية الطلب المحلي، مع زيادة الدور الذي تؤديه الصناعة السعودية في سوق تشهد توسعاً متواصلاً في احتياجاتها.

