غالباً ما تبدو محاولة الحصول على موافقة "إدارة الغذاء والدواء الأمريكية" على دواء جديد أشبه برهان مكلف غير مضمون النتائج، احتمال تحقيق عائد منه قد لا يتحقق إلا بعد سنوات طويلة.
تستغرق عملية تطوير دواء واحد واجتيازه جميع مراحل التجارب السريرية نحو عقد كامل في المتوسط، وبتكلفة تتجاوز مليار دولار، فيما لا ينجح سوى عدد محدود من الأدوية في الوصول إلى تلك المرحلة.
يعود جزء من هذا التعقيد إلى الطريقة التي يكتشف فيها الباحثون العلاجات. حتى وقت قريب، كان العلماء يطرحون فرضية علمية ثم يجرون سلسلة طويلة من الاختبارات للعثور على مركّب كيميائي قادر، على سبيل المثال، على تعطيل بروتين مسبب للمرض. وبعد ذلك، يخضع الدواء لمزيد من التجارب لتحسين فعاليته وتعزيز سلامته وإطالة مدة تأثيره، وهي عملية تستنزف الوقت والموارد وتنطوي على مخاطر مرتفعة.
أما اليوم، فتأمل شركات الأدوية أن يساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع هذه الرحلة المعقدة، وجعل نتائجها أكثر دقة وقابلية للتوقع.
قال الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" داريو أمودي، إن الذكاء الاصطناعي سيقود إلى "القضاء على معظم أنواع السرطان"، عبر تسهيل تصميم علاجات مخصصة وفق الحمض النووي لكل مريض.
ويبدو أن شركات الأدوية تشاركه هذا التفاؤل. ففي الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، أبرمت شركات كبرى مثل "إيلي ليلي" (Eli Lilly) و"سانوفي" (Sanofi) و"نوفو نورديسك" (Novo Nordisk) أكثر من 50 اتفاقية ترخيص مع شركات متخصصة بالذكاء الاصطناعي لتسريع اكتشاف الأدوية، وهو رقم يوازي تقريباً إجمالي الصفقات المسجلة طوال عام 2025.
وبحسب تقديرات "بلومبرغ إنتليجنس"، قد تدفع شركات الأدوية أكثر من 30 مليار دولار لشركائها الجدد إذا جرى تحقيق جميع المراحل السريرية والتنظيمية المتفق عليها.
هل يبالغ القطاع في وعود الذكاء الاصطناعي؟
لكن رغم تدفق مليارات الدولارات من شركات الأدوية الكبرى إلى هذه التكنولوجيا، لا تزال الشكوك تحوم حول فعالية ذلك. فلم تمنح "إدارة الغذاء والدواء الأمريكية" حتى الآن موافقة لأي دواء صُمم باستخدام الذكاء الاصطناعي، ولا يُعرف بعد ما إذا كانت هذه النماذج قادرة فعلاً على إنتاج علاجات يمكن الموافقة عليها.
كما أخفقت بعض العلاجات المطوّرة بالذكاء الاصطناعي في التجارب السريرية، بينما اقتصر أثر بعضها الآخر على تحسينات محدودة لأدوية موجودة بالفعل. وحتى الآن، لم تسجل هذه التقنيات أي اختراقات كبرى في علاج أمراض معقدة وصعبة مثل ألزهايمر.
وقال الباحث المتخصص في تطوير الأدوية ديريك لو، صاحب مدونة "إن ذا بايبلاين" (In the Pipeline)، إن النجاحات المبكرة للذكاء الاصطناعي تحققت في الغالب ضمن أمراض كانت أسبابها والأهداف العلاجية فيها مفهومة مسبقاً بشكل جيد.
وأضاف لو "لا خطب في ذلك، لكنه ليس ثورة الذكاء الاصطناعي المذهلة التي يتخيلها كثيرون".
كيف يسرّع الذكاء الاصطناعي اكتشاف الأدوية؟
رغم هذه التحفظات، تواصل شركات الأدوية دمج الذكاء الاصطناعي في المراحل الأولى من تطوير العقاقير لاختبار إمكاناته الفعلية. ويعتمد الباحثون على تدريب النماذج الذكية باستخدام قواعد بيانات هائلة للبروتينات التي تشكل المكونات الأساسية للخلايا.
كما ساهم نموذج "ألفافولد" (AlphaFold)، الذي طوّره علماء حائزون على جائزة نوبل والمتخصص في بناء نماذج ثلاثية الأبعاد للبروتينات، في تسريع قدرة العلماء على تصميم جزيئات قد تتحول مستقبلاً إلى علاجات واعدة.
قال أليكس جافورونكوف، الرئيس التنفيذي لشركة "إنسيليكو ميديسن" (Insilico Medicine) المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، إن شركته احتاجت إلى نحو تسعة أشهر فقط للانتقال من فكرة الدواء إلى استكمال الدراسات ما قبل السريرية، مقارنة بفترة تتراوح عادة بين ثلاث وخمس سنوات.
وأضاف "بدلاً من البحث عن إبرة وسط كومة قش، يمكنك ببساطة إنتاج مجموعة من الإبر المثالية".
أدوية الذكاء الاصطناعي تتعثر عند اختبارات الفعالية
على مستوى القطاع، تبدو المؤشرات واعدة، أقلّه في المراحل الأولية. فقد أظهرت دراسة أجرتها "بوسطن كونسلتينغ غروب" (Boston Consulting Group) عام 2024 وشملت أكثر من 100 شركة تكنولوجيا حيوية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، أن الأدوية المصممة بهذه التقنية سجلت معدل نجاح تجاوز 80% في المرحلة الأولى من التجارب السريرية التي تركز أساساً على اختبار السلامة، مقارنة بمتوسط تاريخي يتراوح بين 40% و60%.
لكن بدا أن الذكاء الاصطناعي يفقد تفوقه في المراحل اللاحقة. ففي المرحلة الثانية من التجارب السريرية، التي تختبر فعالية العلاج، بلغ معدل نجاح الأدوية المطورة بهذه التقنية نحو 40% فقط، وهو مستوى يقترب من المتوسط التقليدي في القطاع.
حذر كريس ماير، المدير الإداري في "بوسطن كونسلتينغ غروب" وأحد المشاركين في إعداد الدراسة، من التسرع في استخلاص الاستنتاجات، بما أن عدداً قليلاً نسبياً فقط من الأدوية المطورة بالذكاء الاصطناعي بلغ أصلاً المراحل المتقدمة من التجارب السريرية. لكن استمرار النتائج الحالية قد يعني أن "التنبؤ بفعالية الأدوية يظل تحدياً صعباً".
وتعود هذه الصعوبة إلى أن جزءاً كبيراً من بيولوجيا الإنسان لا يزال غامضاً. كما أن الأسباب الرئيسية وراء فشل الأدوية، مثل استهداف إنزيمات غير مناسبة أو عدم إدراك سُمّية العقار لدى البشر، تبقى تحديات لا يستطيع الذكاء الاصطناعي حلها بالكامل حتى الآن.
يصف ديريك لو موقفه من هذه التكنولوجيا بأنه "تشاؤم على المدى القصير وتفاؤل على المدى الطويل" حيال قدرة الذكاء الاصطناعي على جعل تطوير الأدوية أسرع وأقل تكلفة وأكثر نجاحاً.
وقال: "الأمر ليس مستحيلاً من حيث المبدأ، لكنه شديد الصعوبة، وما زلنا بحاجة إلى معرفة وفهم أعمق بكثير ممّا نملكه اليوم".
شركات الذكاء الاصطناعي تصطدم بواقع التجارب السريرية
تعرضت بعض شركات تطوير الأدوية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لانتكاسات. ففي العام الماضي، خفّضت شركة "ريكيرجن فارماسيوتيكالز" (Recursion Pharmaceuticals)، ومقرها سولت ليك سيتي التي كانت أبرمت شراكات مع شركات أدوية كبرى مثل "سانوفي" (Sanofi) و"روش" (Roche)، إضافة إلى شركات تقنية عملاقة مثل "إنفيديا"، نحو 20% من قوتها العاملة وأوقفت تطوير بعض الأدوية بعد نتائج مخيبة للآمال.
وقال متحدث باسم "ريكيرجن" إن الشركة تمنح الأولوية للعلاجات "التي نعتقد أننا نمتلك فيها ميزة تنافسية واضحة".
وفي حين لم تنجح الشركة التي تأسست قبل 13 عاماً، حتى الآن في إيصال أي دواء إلى المراحل المتقدمة من التجارب السريرية، قالت الرئيسة التنفيذية نجاة خان في مقابلة إن بناء البنية التحتية اللازمة استغرق سنوات، بما يشمل تطوير قواعد البيانات المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة.
ومع ذلك، أعلنت "ريكيرجن" أواخر العام الماضي نتائج أولية واعدة لعلاج مرض نادر قد يؤدي إلى سرطان القولون والمستقيم، ووصفت خان هذه النتائج بأنها "أول إثبات سريري للمفهوم" تحققه الشركة.
وقالت إن الذكاء الاصطناعي عانى لسنوات من المبالغة الكبيرة في الترويج له، ومن الكثير من التشكيك أيضاً. وأضافت أن الشركات العاملة في قطاع الأدوية، بما فيها "ريكيرجن" (Recursion)، "تركز على تقديم أدلة ملموسة تؤكد قدرتنا على تطوير أدوية أفضل".
أول دواء بالذكاء الاصطناعي يقترب من الأسواق
أوقفت شركة "جينيريت بيو ميديسنز" (Generate Biomedicines)، المتخصصة في تطوير الأدوية بالذكاء الاصطناعي، العمل على علاج كان يهدف إلى حماية أصحاب المناعة الضعيفة من "كوفيد-19"، مبررة القرار بـ"تغير ظروف السوق" وارتفاع تكلفة إجراء تجارب سريرية واسعة النطاق.
ورغم ذلك، قد تصبح شركة التكنولوجيا الحيوية التي تأسست قبل ثمانية أعوام، أول شركة تحصل على موافقة "إدارة الغذاء والدواء الأمريكية" لعقار صُمم باستخدام الذكاء الاصطناعي.
ودخل علاج الشركة للربو الحاد مؤخراً المراحل المتقدمة من التجارب السريرية، وهي الخطوة الأخيرة قبل طرح الدواء في الأسواق، مع توقع صدور النتائج في عام 2028.
ولا يمثل الدواء اختراقاً جذرياً، بل يعتمد على تحسين علاج قائم للربو بحيث يحتاج المرضى إلى تناوله مرة كل ستة أشهر بدلاً من مرة كل أربعة أسابيع.
وقال الرئيس التنفيذي مايك نالي إن الشركة بدأت بهدف متواضع يتمثل في إثبات قدرة دواء مطور بالذكاء الاصطناعي على النجاح في التجارب البشرية. وأضاف "مع تقدمنا، كبر طموحنا لاستهداف مجالات كان يُنظر إليها سابقاً على أنها غير قابلة للعلاج بالأدوية".
يرى بعض المراقبين أن وصول الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة تطوير أدوية قد تُستخدم فعلياً من قبل المرضى يمثل بحد ذاته محطة مفصلية. وقال كريس ماير من "بوسطن كونسلتينغ غروب": "لدينا اليوم جزيئات حقيقية جرى اكتشافها بالفعل، وانتقلت إلى تجارب سريرية فعلية، وبعضها يحقق نتائج ناجحة". وأضاف: "أجد ذلك حماسياً جداً".

