أدى كيفين وارش اليمين الدستورية رئيساً للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في البيت الأبيض، كأول رئيس للمصرف المركزي يتسلم مهامه هناك منذ ألان جرينسبان 1987. ويأتي هذا الظهور العلني الأول لوارش مع الرئيس دونالد ترمب، بعد منافسة علنية استمرت شهوراً لاختيار خليفة لجيروم باول، ليتسلم منصبه في لحظة اقتصادية بالغة التعقيد والخطورة.
تولى وارش منصبه في وقت تتصاعد فيه معدلات التضخم وتتزايد عوائد السندات طويلة الأجل. ويتوقع المستثمرون بأن الخطوة المقبلة للفيدرالي ستكون رفع الفائدة، وليس خفضها كما كان يأمل ترمب وتترقب الأسواق. لكن جاءت الحرب في إيران، التي اندلعت بعد شهر من اختيار وارش، لتعصف بالخطط السابقة. فقد تلاشت الظروف الداعمة لخفض الفائدة، مثل تراجع التضخم وهدوء سوق العمل. علاوة على ذلك، تحولت طفرة الذكاء الاصطناعي إلى محرك قوي للطلب والنمو، ما زاد من الضغوط السعرية على المدى القصير.
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، في محاولة لإدارة الفجوة بين رغبات ترمب ومعطيات السوق، تبنت الإدارة الأمريكية أطروحة مفادها أن التضخم الحالي ليس سوى "صدمة معروض مؤقتة" يمكن للفيدرالي تجاوزها، وأن خفض الفائدة قادم لكن مع بعض التأخير. وصرح وزير الخزانة، سكوت بيسينت، قائلاً: "لا يوجد شيء مؤقت أكثر من صدمات المعروض"، متوقعاً تراجعاً ملحوظاً في الضغوط التضخمية بعد صدور قراءتين مرتفعتين للتضخم. كما أيد هذا التوجه كيفين هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، مؤكداً أن خفض الفائدة مرتقب هذا العام بفضل السياسة التي سيقودها وارش.
في المقابل، ترى الأسواق والمستثمرون مشهداً مغايراً. بدأت التوقعات تتجه نحو إمكانية اضطرار الفيدرالي لرفع الفائدة لحماية الاقتصاد من التضخم المتنامي. ومن جانبه، التزم وارش بالحياد مؤكداً أنه سيتخذ قراراته بناءً على المعطيات الاقتصادية، نافياً وجود أي اتفاق مسبق مع ترمب لخفض الفائدة. وأعطى ترمب إشارة مبهمة حين سئل عن موقفه إذا اضطر وارش لرفع الفائدة، قائلاً: "سأتركه يفعل ما يريد".
هذا التصريح فتح الباب أمام سيناريوهات متعددة بين المستثمرين. أشار جيمس إيجلهوف، كبير اقتصاديي "بي إن بي باريبا"، إلى أن الأسواق بدأت تسعر احتمالية رفع الفائدة بعد أن كانت تعتقد سابقاً أن البيت الأبيض سيمنع ذلك تماماً. ومع ذلك، يرى الخبير الإستراتيجي ستيف إنجلاندر من "ستاندارد تشارترد" أن القيود السياسية قد تدفع الفيدرالي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية 2027 بدلاً من رفعها.
تتزايد المخاوف في واشنطن ووول ستريت من أن ينقلب ترمب على وارش كما فعل سابقاً مع باول إذا ما قرر رفع الفائدة. لكن حلفاء وارش يراهنون على قدرته في التأثير المباشر في ترمب من خلال التواصل المستمر، فضلاً عن حاجته لبناء تحالف قوي مع وزير الخزانة بيسينت لإقناع الرئيس بأي خطوات غير مرغوب فيها سياسياً.
تتفاقم المعضلة الاقتصادية مع إغلاق مضيق هرمز بسبب حرب إيران، وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب العجز الحكومي المتزايد وطفرة الذكاء الاصطناعي التي قد ترفع مستويات الفائدة الهيكلية التي يمكن للاقتصاد تحملها. ويرى خبراء، مثل جوزيف لافورجنا، كبير اقتصاديي "إس إم بي سي" والمستشار السابق في وزارة الخزانة الأمريكية، أن الفيدرالي قد يضطر لرفع الفائدة بنحو نقطة مئوية كاملة للتصدي للتضخم، مؤكداً أن البيانات الاقتصادية هي التي ستحسم مسار صانعي السياسة النقدية في النهاية.

